جدول المحتويات
المقدّمة
ورد عن أمير المؤمنين علي (ع): «اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ» عيون الحكم، ص 84
يواجه الإنسان في مسيرته الحياتية همومًا وابتلاءات لا تنفكّ عنه، غير أنّ النصوص الدينية ترشدنا إلى طريقٍ واضح لتجاوزها، يتمثّل في صفتين مركزيتين: الصبر وحُسن اليقين. فكلّما ترسّخ حسن اليقين في قلب الإنسان، تحوّلت المحن من عبءٍ مُثقِل إلى امتحانٍ قابلٍ للاجتياز.
وقد أكّدت الروايات الشريفة أنّ مِلاك إيمان المؤمن هو حسن اليقين، ما يجعل البحث في معناه، وموارده، وآثاره، ضرورة معرفية وتربوية تمسّ حياة الإنسان في بعدها الروحي والعملي معًا.
ما المراد بحسن اليقين؟
الإيمان في حقيقته هو الاعتقاد الجازم، وسكون النفس، وتصديق القلب. فمن عرف الله تعالى، ونبيَّه، وما أوجب الله عليه معرفته، وأقرّ بذلك، كان مؤمنًا. غير أنّ هذه الحالة الإيمانية ليست على درجة واحدة، بل تتفاوت بتفاوت اليقين رسوخًا وضعفًا.
وقد بلغ بعض أولياء الله مراتب عالية من اليقين، كما ورد عن أمير المؤمنين (ع):
«لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا»
وهذا يدلّ على أنّ حسن اليقين ليس مجرّد اعتقاد أوّلي، بل مقام يُنال بالسعي والمجاهدة، ولا يكتفي فيه الإنسان بالحدّ الأدنى من الإيمان.
واليقين ذو مراتب متعدّدة، أشار إليها القرآن الكريم بوضوح:
- علم اليقين
- عين اليقين
- حقّ اليقين
قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾
موارد حسن اليقين وأهميّته
تحدّث العلماء عن موارد متعدّدة لـحسن اليقين، وآثاره العميقة في بناء الإنسان، ونشير هنا إلى موردين أساسيين:
حسن اليقين رأس الدين وعماده
عن رسول الله ﷺ:
«إنّ الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كلّه»
تكشف هذه الرواية عن المكانة المحورية لليقين في المنظومة الدينية؛ فبدونه لا يمكن ترتيب أيّ أثرٍ إيماني أو عملي. وحين نعلم أنّ الدين ليس مجرّد طقوس، بل نظام حياة متكامل للفرد والمجتمع، ندرك أنّ حسن اليقين هو الأساس الذي يقوم عليه هذا البناء.
حسن اليقين وقوّة العمل
قال لقمان الحكيم لابنه:
«يا بُنيّ، العمل لا يُستطاع إلّا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله»
هذه الكلمة تختصر علاقة اليقين بالفعل الإنساني؛ فالعمل الصالح يحتاج إلى قلبٍ متيقّن، وكلّما كان حسن اليقين أرسخ، كان العمل أصدق وأقوى أثرًا.
فالعمل من دون يقين يتحوّل إلى حركة خاوية، والعمل مع يقينٍ ضعيف يكون محدود الثمرة.
ولا يختصّ هذا المعنى بالعبادات فحسب، بل يشمل كلّ مجالات الحياة: طلب الرزق، والعمل الاجتماعي، والسعي الإصلاحي، بل وحتى القرارات المصيرية في حياة الإنسان.
وقد لخّص أمير المؤمنين (ع) هذا المعنى في وصيّته لكميل بن زياد (رض):
«يا كميل، ما من حركةٍ إلّا وأنت محتاجٌ فيها إلى معرفة»
كيف نُحصِّل حسن اليقين؟
إصلاح النفس طريق اليقين
عن الإمام الكاظم (ع):
«تعاهدوا عباد الله بإصلاحكم أنفسكم، تزدادوا يقينًا، وتربحوا نفيسًا ثمينًا»
إصلاح النفس، ومحاسبتها، وجهادها، والتأمّل في صفاتها، من أعظم الأسباب التي تُنمّي حسن اليقين في القلب. فكلّما ازداد الإنسان معرفةً بنفسه وبربّه، نزل اليقين في قلبه سكينةً وثباتًا.
التفكّر والتأمّل في سنن الله
قال أمير المؤمنين (ع):
«الإيمان على أربع دعائم: الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد… واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنّة الأوّلين»
فالتفكّر في سنن الله، وتأمّل تجارب السابقين، واستحضار العِبر، كلّها تغذّي حسن اليقين وتمنحه عمقًا واستمرارية.
ما الذي يُضعف حسن اليقين؟
من أهمّ العوامل التي تُضعف حسن اليقين وتُزعزع ثباته:
- غلبة الهوى والشهوات، كما قال أمير المؤمنين (ع): «يُفسد اليقين الشكّ وغلبة الهوى»
- الحرص على الدنيا، إذ ورد عنه (ع): «من كثر حرصه قلّ يقينه»، و«الحرص يُفسد الإيقان»
- الصحبة الفاسدة، حيث قال (ع): «خلطة أبناء الدنيا تشين الدِّين وتُضعف اليقين»
الخاتمة
عندما يتأمّل الإنسان في حاله، يكتشف أنّ الشكّ من أثقل الحالات على النفس، حتّى في شؤون الدنيا البسيطة، فكيف إذا تعلّق بالمبدأ والمعاد، وبالمصير الأبدي؟
إن لم نعمل على تقوية حسن اليقين في قلوبنا، عشنا حياةً مضطربة قلقة، وكانت عاقبتنا أشدّ وأدهى.
ومن هنا، كان اليقين نعمةً يُسأل الله زيادتها، كما فعل نبيّ الله إبراهيم (ع)، أو مقامًا يُحافَظ عليه، كما كان حال أمير المؤمنين (ع) حين قال:
«لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا»




0 تعليق