مقدمة: نقلة النماذج اللغوية وحدود أثرها
نماذج الذكاء الاصطناعي، لا يختلف اثنان على أنها أحدثت نقلة نوعية في حياتنا المعاصرة، وأنها ستؤثر كثيرا في مستقبل البشرية. وظائف ستختفي ووظائف ستولد، بالإضافة إلى ضرر بيئي كارثي، إلى الآن لم يُسلّط عليه الضوء كثيرا، لكن الصرخة ستعلو في السنين القادمة. هذه النقلة النوعية تعود بشكل أساسي إلى النماذج اللغوية الواسعة التي تفهم لغة البشر، خلّاقة، مبدعة، ذو قدرة رهيبة في تخزين المعلومة واستخراج ما يلزم منها. أمر كان منذ سنين خلت أقرب إلى الخيال العلمي من الواقع. هذه النماذج تساعدنا كثيرا في أعمالنا اليومية، في مختلف المجالات. لكن إلى أي مدى يمكن أن تساعدنا هذه النماذج (الأدوات كما أحب أن أسميها)؟ وما هي الحدود التي تقف عندها؟
تعريف الأدوات والفارق الجوهري مع الإنسان
للإجابة على هذه الأسئلة، يجب أولًا أن نعرّف هذه الأدوات تعريفًا موضوعيًّا علميًّا. كون هذه الأدوات تتمّيز بقدرات لغويّة، تفرّد وتميّز بها الإنسان عبر التاريخ، فيجب أن نحدّد ما هو الفارق بينها وبين الإنسان، لكي نستطيع أن نحدّد حدود قدراتها. هذا يقودنا إلى أسئلة فلسفية هي محل نقاش بين المفكرين والعلماء، مثل تعريف الذكاء؟ ما هو الإنسان؟ وبدون الدخول في تعقيدات المصطلحات الفلسفية، الفارق الجوهري بين الإنسان وهذه الأدوات هو الإدراك، الشعور والاختيار. والأخير هو العامل الأهم. قد يحدث يوماً أن لا أرغب بالتحدث مع أحد، أو الإجابة عن سؤال ما، لكن لن يأتي يوم ويرفض نموذج لغوي كـ ChatGPT بأن يرفض الإجابة على سؤالي، إلا إذا تمت برمجته على ذلك.
القضايا الجدلية وحدود الاعتماد على النماذج
هذا الفارق بين الإنسان والنماذج اللغوية هو فارق جوهري بالنسبة للمواضيع الذاتية التي تحتمل الجدل وغير متفق عليها عالميًا، وعلى رأسها المواضيع السياسية، الفلسفية، التاريخية، الدينية والنفسية. فمن خلال الإدراك وقدرة الاختيار يحدد الإنسان موقفه من المعلومات التي يتلقاها أو التي تلقاها سابقًا - كتلك التي تربّى عليها - ليخرج من أسرها. فيستطيع أن يدقّق فيها، يبحث، يسأل، ليدركها بوجوده، يتيقّن من صحّتها، ويحدد موقفه منها. وهذا ما هو مستحيل للنماذج اللغوية. أجوبة هذه النماذج تعتمد بشكل أساسي على البيانات التي تدربت عليها والسؤال الذي طُرِح عليها. وبالتالي إن سألتها عن موضوع تاريخي، كالحملات الصليبية على بلاد الشام، فهي إما ستعطيني الرواية التي تعلّمتها. وإن كانت متدربة على عدة روايات متناقضة، فهي ستعطيني كل مرة إجابة مختلفة، أو إجابة تتناسب مع رغبتي وموقفي.
الاستشهاد بالنماذج في المسائل الخلافية
باختصار حدود النماذج اللغوية هي أي موضوع جدلي ليس عليه إجماع بشري. وهي حتى لو أعطت إجابة تؤيد أو تدعم موقفي، فهذا لا يزيد رأيي قوة ولا ينقصه، ولا يعني أي شيء إطلاقًا. لأنه ببساطة هذه النماذج هي أداة لا تصلح لمثل هذه الاستخدامات. والمفارقة، هناك كثير من الأشخاص يستشهدون بها ليدعموا رأيهم بمواضيع جدلية قد تبدو للوهلة الأولى بديهية، كحق مقاومة الإنسان للمحتل. هذا الاستشهاد لا قيمة له، لأنه أولًا من أداة لغوية منحازة لما تعلّمته، وطريقة السؤال الذي طرحته عليها. ثانيًا، هذه المواضيع البديهية، هي مواضيع جدلية غير متفقين عليها كبشر، ولها علاقة بماهيّتنا، رغباتنا. وبالتالي هي خارج قدرة هذه الأدوات. وإذا أردتم رأيي في المسألة، هذا الحق هو نسبي عند البعض بحسب من هو المحتل ومن هو المقاوم. وهذا الأمر ينطبق على كثير من الأمور في حياتنا اليومية حيث يحق لي ما لا يحق لغيري. وهذا له علاقة بالنفس البشرية، ورغباتها، والخلفية الفكرية والنظرة الوجودية للإنسان.
استخدامها كمعالج نفسي: محاذير عملية
استعمال آخر خاطئ للنماذج اللغوية هو استخدامه كمعالج أو مستشار نفسي، صديق نتحدث له عن أسرارنا ومشاكلنا. المشكلة هنا أن هذه المواضيع تعتمد بشكل أساسي على المشاعر. والنموذج اللغوي خالٍ من المشاعر والانفعالات كليًّا، مهما حاولوا تصويره بالعكس، وعملوا على تطويره من هذه الناحية. النموذج اللغوي هو نتيجة عمليات حسابية من ضرب وقسمة، لا أكثر ولا أقل، وليس له حظ من الشعور البشري إطلاقًا. هذا بالإضافة إلى انحيازه لما نقوله له ونخبره به، وإيجابيّته المفرطة تجاه المتحدّث. وبالتالي استشارته، وإن نفعت على المدى القصير، فهي مؤذية على المدى الطويل. هي كمن يستشير سماّن الحي عن سبب وجع ظهره ويطلب منه وصفة طبية. وهنا على الأهل أن ينتبهوا جيدًا إلى أولادهم، أن يعطوهم الأمان، والحب. يعطوهم الثقة، يحاوروهم، وإلا سيصبحون بدون أن ينتبهوا ضحايا نفسيين لاستشارة نموذج لغوي.
في الموضوعات العلمية: التحقّق قبل التبنّي
ما تقدم كان مقدمة عن محدودية النماذج اللغوية في المواضيع التي تحتمل الجدل، وليس هناك إجماع عليها. لكن هذا لا يعني إمكانية الاعتماد عليها بصورة مطلقة في المواضيع العلمية والموضوعية. خاصة إذا كان الموضوع الذي نبحث عنه جديدًا علينا ولا نملك خبرة فيه. فهذه النماذج يمكن أن تخطئ لأسباب عديدة، من ضمنها أنها قد لم تتعلّم المعلومة، أو لم تجدها على الإنترنت. وهي لن تقول لا أعلم، بل ستعطينا أجوبة خاطئة - هذه الأجوبة هي نتيجة عمليات حسابية معقدة مرتبطة بالبيانات التي دُرِّبت عليها بالإضافة إلى القيود التي وضعها مبرمجوها - وبالتالي يجب علينا كمستخدمين التأكد من صحة الأجوبة قبل تبنّيها والعمل بها. وبشكل عام، يُفضّل تحصيل الحد الأدنى من المعلومات حول الموضوع الذي نسأل عنه، لكي نتمكن من تحديد دقة الإجابة من عدمها. ومن الأفضل عدم استخدامها كمصدر نهائي للمعلومة، خاصة في المواضيع الحساسة والتي تحمل مخاطر عالية، كالطب مثلا. في المقابل يجب الاستفادة من قدرات هذه الأدوات لزيادة فعاليتنا وإنتاجيتنا في مختلف التطبيقات والمجالات: بحث أولي، كتابة، تلخيص، تصحيح، ترجمة، عصف ذهني، مهام إبداعية منخفضة المخاطر، مساعدة في شرح وتبسيط المفاهيم المعقدة…
الخلاصة
في الخلاصة، النماذج اللغوية هي ثورة العصر، يمكن الاستفادة منها كثيرا. حتى أنه يجب الاستفادة منها لتحسين وتطوير أعمالنا ومجتمعنا. لكن يجب أن يبقى في بالنا دائما أن هذه النماذج أدوات، لها استخدامات محددة، واستخدامها في غير مكانها له أضرار كثيرة، على رأسها التضليل والتحريف، والتلاعب بالعقول والحقائق. وهنا يبرز دور البصيرة لتساعدنا في تقييم متى وكيف نستخدم هذه الأدوات. فالأداة بلا بصيرة قد تضلّل، لكن الإنسان ببصيرته يستطيع أن يضع الأداة في مكانها الصحيح.




0 تعليق