الفهرس
- مقدمة: فهم الإشكالية والحاجة للاستقطاب
- التحليل النفسي لظاهرة العزوف: لماذا يكتفي غير المتدين بعالمه الخاص؟
- أزمة ثقة أم مجرد تكاسل؟ دوافع النفور من العلماء
- أعذار غير المتدينين لعدم متابعة الخطاب الديني (على لسانهم)
- دور عموم الناس في الاستقطاب
- التوجيهات الدينية: الآيات والروايات حول دعوة البعيدين
- رأي الإمام الخامنئي حول استقطاب غير المتدينين
- قدوات ونماذج ناجحة في جذب غير المتدينين
- نواقص الخطاب الديني في جذب غير المتدينين
- أساليب علمية وعملية لجذب غير المتدينين
- الأساليب النفسية الموصى بها لجذب غير المتدينين
- تبسيط أم تعميق الخطاب الديني لغير المتدينين؟
- خاتمة: نحو احتضان الجميع
مقدمة: فهم الإشكالية والحاجة للاستقطاب
يشهد العالم الإسلامي تباينًا متزايدًا في درجات التديّن؛ فهناك شريحة واسعة ممن يُعرِّفون أنفسهم بأنهم “غير متدينين” أو بعيدون عن الأجواء الدينية. هؤلاء قد يكونون مسلمين بالهوية لكنهم غير ملتزمين بالشعائر، أو ربما لادينيين تمامًا. إن استقطاب غير المتدينين وردّهم إلى دائرة الاهتمام بالدين وقيمه يُعَدّ تحدّيًا تبليغيًا وثقافيًا ملحًا. فنجاح الخطاب الديني لا يُقاس فقط بعدد المتدينين التقليديين المتابعين له، بل بقدرته على جذب واستمالة من يقفون على الهامش أو يتجنبون المشاركة في الأنشطة الدينية. في هذا المقال التفصيلي، سنناقش أدوار مختلف الفئات في هذه المهمة، ونستعرض أساليب علمية وعملية مقترحة، مستنيرين بتوجيهات القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، وتحليل الأسباب النفسية والاجتماعية لعزوف غير المتدينين، مع الاستشهاد بنماذج معاصرة وتاريخية ناجحة في هذا المجال.
التحليل النفسي لظاهرة العزوف: لماذا يكتفي غير المتدين بعالمه الخاص؟
لفهم كيفية مخاطبة غير المتدينين، علينا أن نتساءل: كيف يفكر الشخص غير المتدين؟ ولماذا يبدو مكتفيًا بعالمه الخاص من ترفيه ومشاهير وكوميديا؟ هناك عدة عوامل نفسية واجتماعية تفسر ذلك:
- الإشباع البديل (Substitute Gratification): يجد كثير من الشباب في الترفيه اليومي (أفلام، ألعاب فيديو، متابعة المشاهير عبر السوشيال ميديا) إشباعًا عاطفيًا وفكريًا فوريًا يغنيه – في نظره الحالي – عن البحث الوجودي العميق أو الالتزام بشعائر تحمل تكاليف. فهذه المواد الترفيهية مصممة لتكون ممتعة جدًا ومغرية (Highly Stimulating)، فتخطف اهتمامه وترفع عتبة استمتاعه؛ فتصير العبادات والمحاضرات الروحية أمامها باهتة بنظره. إنها حالة إدمان على الترفيه تجعل الدين يبدو جافًا. هذا التفسير يعني أننا نتعامل أحيانًا مع حالة شبيهة بالإدمان أو صرف الانتباه، مما يتطلب تدرّجًا وصبرًا لإعادة برمجة ذائقته الروحية ليتذوق حلاوة أمور أعمق.
- تأجيل التساؤلات الوجودية (Deferring Existential Questions): كثير من الناس – خاصة الشباب – يتهربون من التفكير في الأسئلة الكبرى (ما الحياة؟ ماذا بعد الموت؟) لأنها مقلقة وتثير الرهبة. فينشغلون بالسطحيات اليومية هروبًا من القلق الوجودي (Existential Anxiety). اللافت أن معظم من يلحدون أو يبتعدون عن الدين لا يفعلون ذلك بعد بحث عميق، بل بعد انغماس سطحي في ملذات الحياة كنوع من التشتيت. لذا، يكتفي غير المتدين “بعالمه الخاص” لأن الخوض في معنى الدين قد يربكه أو يشعره بالذنب الذي يفضّل تجنبه. مهمة المبلغ هنا إيقاظ دفعة من التساؤل الهادئ بدون تهويل، مثلاً: عبر قصة أو موقف يذكره بفناء الدنيا بشكل غير مباشر، كي يبدأ يفكر تدريجيًا دون أن يشعر أننا “نضغطه” نحو هذا التفكير.
- التأثر بالبيئة والمحيط: إذا نشأ الفرد في بيئة تعطي أولوية قصوى للمادة والمظاهر (مجتمع استهلاكي مثلًا)، أو وسط عائلة وأصدقاء لا يعيرون للدين وزنًا، سيتبرمج عقله الباطن على أن الدين هامشي. الهويةُ الاجتماعية قويةُ التأثير؛ غير المتدين قد يتمسك بعالمَي المشاهير والترفيه لأنه يعطيه هوية عصرية في نظر أقرانه. لذا، فهمه يفكر: “لماذا أتعب نفسي بأمور الدين التي لا يهتم بها محيطي وقد تخرجني من جماعتهم؟”. هذا يشرح جانبًا من اللامبالاة: إنه ولاء للهويّة الجمعية. العلاج يكون بتوسيع تلك الهوية لتشمل بعدًا روحيًا دون أن تصطدم كليًا مع انتمائه الحالي، أي إقناعه أنه يمكن أن يكون “عصريًا وروحانيًا” في آن، وأن الالتزام القيمي يزيده احترامًا ولا ينتقص من اندماجه الاجتماعي.
- انعدام الثقة أو الصورة السلبية عن المتدينين: البعض يحمل في ذهنه صورًا نمطية سلبية عن “المتدين” – ربما بسبب تجربة شخصية (كأن يكون تعرّض لتعنيف أو رؤية نفاق ديني). هذا يجعله ينفر تلقائيًا من أي خطاب ديني ظنًا منه أنه سيحمل نفس السمات السلبية. بالتالي، هو يقي نفسه من الأذى النفسي المحتمل بالابتعاد كليةً. من هنا يتضح واجبنا في تصحيح تلك الصورة النمطية عبر سلوكيات معاكسة لما خبره؛ إذا كان تصوره أن المتدين متشدد أو كئيب، فلنريه المتدين المرح المتزن. وإذا كان يظنهم منافقين، فلنكن شديدي الصدق والشفافية معه. بمرور الوقت سيُشفى من “عقدة النفور” هذه.
- البحث عن الحرية والاستقلالية: مرحلة الشباب خاصة تتميز برغبة عارمة في الحرية وكسر القيود. قد ينظر الشاب إلى الدين على أنه مجموعة أوامر ونواهٍ تقيد حريته، بينما عالمه الخاص يتيح له فعل ما يشاء دون شعور بالذنب. إنه تصوَّر أن الدين ضد الحرية الشخصية. يتطلب هذا التفهّم أن نخاطب حاجته للحرية: نوضح له أن الدين في جوهره يحرره من عبودية الشهوات والإدمانات ويمنحه كرامة وسيطرة على ذاته، بدل أن يكون مستعبدًا لإملاءات أصحاب الإعلانات والتقاليع الفارغة. وأن الالتزام يمكن أن يكون اختيارًا حرًا واعيًا لا إكراهًا اجتماعيًا. عندما يدرك أن التدين الصحيح لن يسلبه شخصيته بل سيصقلها، قد يعيد التفكير.
إجمالًا، غير المتدين يظن أنه سعيد ومكتفٍ، لكن هذه الكفاية قد تكون قشرة تخفي تحته فراغًا معنويًا أو قلقًا مكبوتًا. مهمتنا أن نوقظ فطرته بلطف، ونبيّن له أن في الدين مَعينًا لا ينضب من الطمأنينة والمعنى، يغنيه عن الركض اللاهث خلف مُتع مؤقتة. والتحليل النفسي هنا يساعدنا أن نرى الأمور من منظوره، فنخاطبه على قدر عقله وحاجاته النفسية.
أزمة ثقة أم مجرد تكاسل؟ دوافع النفور من العلماء
تثار أحيانًا مسألة: هل عزوف غير المتدينين عن متابعة العلماء والخطاب الديني ناتج عن أزمة ثقة عميقة بهم، أم هو مجرد كسل وتفضيل للراحة؟ والجواب قد يجمع الأمرين معًا:
- أزمة ثقة لدى البعض: لا يمكن إنكار أن ثقةَ شريحة من الناس برجال الدين قد اهتزت لأسباب مختلفة. منها مثلاً ظهور قصص فساد أو نفاق أخلاقي لدى قلة منهم ضُخّمت إعلاميًا. كذلك، الخطاب الوعظي التقليدي الذي لا يخاطب قضايا العصر جعل البعض يرى العلماء منفصلين عن الواقع. هذه الأمور ولّدت لدى فئة – خاصة من المثقفين – شكوكًا في كفاءة العلماء وصدقهم، فصاروا لا يكترثون لما يقولون مسبقًا. بل وصل الأمر بالبعض إلى التعميم السلبي: “كل المتدينين تجار دين” مثلاً. هذه أزمة ثقة حقيقية تتطلب وقتًا وجهدًا لترميمها عبر شفافية العلماء وتجديد خطابهم وانخراطهم الميداني مع الناس. كما تتطلب من العامة الإنصاف وألا يؤاخذوا الصالح بجريرة الطالح.
- التكاسل وفتور الهمة: من جهة أخرى، كثيرون غير متدينين ليس بسبب موقف ضد العلماء، بل بكل بساطة لأن الدين يحتاج مجاهدة للنفس وهؤلاء آثروا الراحة. الصلاة تحتاج استيقاظًا باكرًا أو وضوءًا وقطعًا للملهيات، الصوم فيه جوع وعطش، مجالس العلم ربما تُشعر ببعض التقصير أو تتطلب التزامًا. النفس بطبعها تميل للدعة ما لم توقظها همة عالية. فهؤلاء لو تسألهم لِمَ لا تصلون أو لا تحضرون مجلسًا دينياً، قد يبتسمون باعتذار: “بصراحة أنا كسلان”، أو “الدنيا أخذتني”. كما قال أحدهم صراحةً: «لا نحضر الجلسات الدينية لأن الدنيا شغلتنا عن الآخرة، وأنسانا الشيطان ذكر الموت وزين لنا التسويف» . هذه الحالة ليست رفضًا مبدئيًا للدين، بقدر ما هي استسلام للغفلة وطول الأمل وانغماس في مشاغل الحياة. وعلاجها بالموعظة والتذكير والترغيب بالراحة الأبدية مقابل مشقة عابرة.
- أسباب أخرى شخصية: قد توجد أسباب فردية لنفور البعض: تجربة نفسية سلبية كما أسلفنا، أو فهم مغلوط لتعاليم معينة أثار عنده نفورًا (كمن ظن الدين يضطهد المرأة فابتعد نصرةً للمرأة)، أو حب المعاصي والشهوات وعدم الرغبة بالتخلي عنها. لكل من هذه علاج مختلف: فالتجربة السلبية تُعالَج بتجربة إيجابية، والفهم المغلوط يصححه الحوار العلمي الهادئ، وحب الشهوات يعالجه تنمية الإيمان تدريجيًا حتى يجد حلاوة أسمى من تلك الملذات.
إذن لا يصح التعميم أن كل العزوف سببه انعدام ثقة، ولا أنه مجرد كسل. هي خليط تتفاوت نسبه من شخص لآخر. ويتعين على المبلغين بناء الثقة بمرور الوقت – عبر الصدق والتواضع والعمل النافع – وفي الوقت نفسه تحفيز الهمم وإشعال الغيرة الإيمانية في النفوس الخاملة. كلا المسارين مهم: إصلاح الصورة الذهنية عن العلماء، وإيقاظ العزائم الخامدة في القلوب.
أعذار غير المتدينين لعدم متابعة الخطاب الديني (على لسانهم)
لتكتمل الصورة، نتخيّل سؤالًا موجهًا لشخص غير متدين: لماذا لا تتابع المتدينين على السوشيال ميديا؟ ولماذا لا تحضر البرامج الدينية؟ فيما يلي بعض الإجابات الشائعة التي وصلتني بلغتهم البسيطة، والتي تعكس ما يدور في أذهانهم:
- “صراحةً المحتوى الديني مملّ ولا يجذبني”: قد يقول: لا أتابع الحسابات الدينية لأنها تكرر نفس الكلام من مواعظ ونصائح بشكل تقليدي، بينما أجد محتوى آخر أكثر تشويقًا وترفيهًا. البرامج الدينية في نظره رتيبة، والخطباء لا يجيدون مخاطبة الشباب بلغتهم. هذا نقد لأسلوب العرض أكثر منه رفضًا للرسالة، ما يعني أننا لو جدّدنا الأسلوب فربما أكسبناه.
- “أشعر أنهم يُصدرون الأحكام عليّ وينتقدونني”: البعض يظن أن حضور مجلس ديني يعني أنه سيُهاجَم أو يُنتقد بسبب مظهره أو سلوكياته. يقول: المتدينون دومًا يخبرونني كم أنا خاطئ وسيء، فلماذا أضع نفسي في هذا الموقف؟ هذا نابع من تجارب حيث حصلت معايرة أو عتاب أو لوم علني لشخص غير ملتزم حضر مكانًا دينيًا. علاجه أن نخلق ثقافة ترحيب بالمقصّرين واحترام خصوصياتهم وعدم التعرض لهم بالنقد أمام الآخرين.
- “لا أرى فائدة عملية مما يقولونه”: قد يعتبر أن المبلغين يتكلمون في مثاليات وأمور غيبية لا علاقة لها بمشاكله اليومية. هو منشغل بالبحث عن وظيفة، أو تحسين معيشته، أو مشاكله العاطفية… ويجد الخطاب الديني منصبًا على الحلال والحرام والآخرة دون حلول مباشرة لما يواجهه. بالتالي يهجره لظنه بعدم الفاعلية. هذا يدعونا لإعادة ربط رسائلنا بواقع الناس العملي، كأن نتحدث عن إدارة الضغوط، عن أخلاق العمل، عن العلاقات… من منظور ديني، ليشعر أمثاله أن في الدين حلولاً ملموسة.
- “العلماء أنفسهم لا يطبقون ما يقولون”: هذه إجابة حادّة لكنها موجودة: يذكر أمثلة عن شيخ مشهور يدعو للزهد وهو يعيش برفاهية، أو واعظ عن الأخلاق صدر منه موقف فظ. هذه حوادث فردية لكنها تؤثر على صورة الجميع. الحل هنا ليس سهلاً إلا بتكثيف النماذج الصالحة كما أسلفنا، والاعتراف بالأخطاء عند حصولها لتبديد شعور النفاق.
- “لا أحب الشعور بالذنب أو أن أُحبط نفسي”: بعضهم يعترف أنه يتجنب الأحاديث الدينية لأنها توقظ ضميره فيشعر بتأنيب الضمير على تقصيره، وهو لا يحب هذا الشعور. يفضّل البقاء في منطقة الراحة حيث لا أحد يذكّره. إنه نوع من الإنكار (Denial) للحفاظ على راحة البال الآنية. التعامل مع هذا يكون بحنكة؛ فلا نقدم الدين كله كمجموعة “محرمات” واتهامات، بل نركز على جانب الرجاء والمحبة الإلهية. نريد تغيير شعوره حيال الدين من مصدر تأنيب إلى مصدر طمأنينة.
- “الدين شأن خاص بيني وبين ربّي”: هذه إجابة دبلوماسية يقولها البعض تهربًا: “أنا أؤمن بالله بطريقتي الخاصة ولا أحتاج متابعة المشايخ”. قد يكون خلفها عدم اقتناع بالحاجة لمرجعية دينية أو بمجالس الوعظ. يمكن التعامل معها بتبيين لطيف أن الاجتماع على ذكر الله له أثر آخر ليس مجرد المعرفة؛ هو يزكي الروح ويقوّي الإيمان حين نسمع ونتفاعل جماعيًا، وأنه لا تعارض بين علاقة المرء المباشرة بربه والاستفادة من علم العلماء وتجاربهم.
هذه نماذج من الأعذار والتبريرات. بعضها فيه وجاهة وانتقاد صحيح ينبغي أخذه بعين الاعتبار لإصلاح خطابنا، وبعضها نابع من سوء فهم أو تهرب نفسي يجب التعامل معه بالحكمة. المهم عندما نسمع مثل هذه الردود ألا نهاجم الشخص، بل نتحاور معه لفهم أعمق لدوافعه ثم نعالج كل شبهة أو عذر بما يناسبه. أحيانًا بمجرد أن يشعر الشاب أن رأيه مسموع وأننا نقدّر وجهة نظره (حتى لو خالفناه)، سيبدأ هو نفسه بإعادة النظر في مواقفه الدفاعية.
دور عموم الناس في الاستقطاب
قد يظن البعض أن دعوة غير المتدينين مسؤولية حصرية على عاتق العلماء والمبلغين، لكن الواقع أن جذب البعيدين عن الدين هو مسؤولية مجتمعية عامة. فكل فرد متديّن يمكن أن يكون مبلّغًا لدينه بأخلاقه وتعامله. يؤكد حديث الإمام الصادق (ع) الشهير: «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم» ، على أن القدوة العملية أقوى من الخطب والمواعظ. إن سلوكيات المسلمين اليومية – في البيت والعمل والشارع – إما أن تقرّب الآخرين إلى الدين أو تنفّرهم منه. لذا يقع على عاتق عموم الناس مهمة إظهار محاسن الدين ولطف التعامل مع الجميع، لكي يشعر غير المتدين أن التدين إضافة إيجابية للحياة وليست عبئًا. كما أن شبكات العلاقات الاجتماعية (الأصدقاء، الأسرة، الزملاء) هي ميدان خصب للتأثير غير المباشر؛ فغير المتدين قد يتأثر بصديق متديّن محب أكثر مما يتأثر بخطبة واعظ لا يعرفه. وباختصار، ينبغي أن يرى غير المتدينين في المجتمع المتدين قدوةً عملية تجسد قيم الصدق والأمانة والرحمة، فتجذبهم هذه القيم تدريجيًا دون إكراه.
التوجيهات الدينية: الآيات والروايات حول دعوة البعيدين
لم يتركنا القرآن والسنة بلا إرشاد في موضوع دعوة غير المتدينين، بل زوّدانا بمبادئ واضحة:
- الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ – أي أن أساس التبليغ الحكمة (أي وضع الكلام المناسب في الوقت المناسب بالشكل المناسب) والموعظة الحسنة التي تلامس القلب برفق. فهذا توجيه قرآني عام يشمل دعوة كل الفئات، وخاصة من ابتعد عن أجواء الإيمان.
- اللين والرحمة في التعامل: مخاطبًا نبيه ﷺ، يذكره القرآن بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ – فحتى خير البشر ﷺ لو كان فظًا لجفى الناس من حوله. العبرة لنا أن القسوة والجفاء تنفّر القلوب، بينما اللين والتعاطف يجذبانها. لهذا نجد النبي ﷺ يؤكّد: «إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين». فمنفِّر الناس عن الدين آثم، والمبشِّر برحمة الله ودينه مأجور.
- القدوة العملية لا الكلامية: أثرنا سابقًا حديث الإمام الصادق (ع): «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم». وفي رواية أخرى عنه عليه السلام يخاطب شيعته: «معاشر الشيعة، كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا؛ قولوا للناس حُسنًا، واحفظوا ألسنتكم…». كما قال (ع): «رَحِمَ الله عَبداً حبَّبَنا إلى الناسِ ولم يُبَغّضنا إليهم، أما والله لو يَرْوُونَ محاسنَ كلامِنا لكانوا به أعَزّ…». هذه الروايات تؤكد أن حسن المعاملة والأخلاق الفاضلة هي أفضل دعاية للدين، وأن على المتدين أن يكون زينة لمذهب أهل البيت لا سببًا لتنفير الناس منه. فمن تطبيقات ذلك ما رُوي: «رحم الله عبدًا استجرّ مودّة الناس إلى نفسه وإلينا بأن يُظهر لهم ما يعرفون، ويَكُفّ عنهم ما يُنكرون» ؛ أي خاطب الناس بما يفهمونه ويأنسون به، وتجنب ما يستغربونه للوهلة الأولى. وهذا منهج تربوي عميق: ابنِ جسورًا ولا تهدمها بالإصرار على ما لا يتقبله عقل المخاطب أو ثقافته دفعةً واحدة.
- عدم الإكراه واحترام الاستقلالية: جاء في القرآن: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾. فلا يُجبر أحد على الإيمان بالقوة أو الضغط الاجتماعي. الإيمان الحقيقي ينبع من اقتناع القلب. لذا، فكل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشترط الأسلوب الحكيم وعدم التسبب في منكر أكبر من المنكَر المراد تغييره.
هذه النصوص وغيرها كثير ترسم خارطة طريق تبليغي: لين بلا ضعف، حزم بلا عنف، حكمة بلا استخفاف بعقول الناس، وصبر بلا ملل. وهي مبادئ ينبغي استحضارها ونحن نخاطب من فترت صلته بخالقه.
رأي الإمام الخامنئي حول استقطاب غير المتدينين
قدّم الإمام السيد علي الخامنئي – حفظه الله – توجيهات مهمة في هذا المجال، باعتباره قائدًا يمتلك رؤية تجديدية في العمل التبليغي:
- مبدأ الجذب الأقصى والنفور الأدنى: يشدد الإمام الخامنئي على سياسة «الجذب الحدّ الأقصى، والدفع (الإقصاء) الحدّ الأدنى». فهو يدعو إلى توسيع دائرة الثورة والإسلام لاستيعاب أطياف متعددة، وتجنب طرد أي شخص من هذه الدائرة لمجرد اختلافات جزئية في الرأي أو الأسلوب. يقول: «كوّنوا جبهة الثورة الواسعة، واستقطبوا الناس؛ لا تقصوا أحدًا؛ فمجرد اختلاف ذوق أو اجتهاد في مسألة لا يبرر الطرد». حتى من كان ضعيف الالتزام أو لديه إيمان “نصف إيمان” – حسب تعبيره – ينبغي احتواؤه لا نفرته. ويؤكد سماحته: «إيّاكم أن تدعوا بسلوككم وتصرفاتكم من كان إيمانه نصفًا أن ينقطع تمامًا عن الإيمان؛ بل بالعكس، استميلوا الذين في منتصف الطريق وقربوهم». هذه النظرة الرحبة تعني عدم استعجال الحكم على الأشخاص وإقصائهم، بل الصبر على تدرجهم الإيماني.
- التفريق بين العدو الصريح والأبناء المخطئين: يفرّق الإمام بين من يعادي الدين صراحةً وبين عموم الناس الذين قد يكون لديهم قصور أو أخطاء. فهو يقول ما معناه: استقطبوا كل من يمكن استقطابه، حتى غير الثوري (أو غير المتدين تمامًا) إن لم يكن معاندًا هو قابل للجذب. أما من كان معاندًا معاديًا متربصًا فله شأن آخر. هذه التفرقة مهمة كي لا نضع جميع البعيدين عن الدين في خانة “الأعداء” ونعاملهم بجفاء؛ بل نعامل الكثيرين منهم كأبناء بيئة تحتاج احتواء.
- الثقة بفطرة الشباب وقلوبهم النقية: في إحدى خطاباته أشار الإمام الخامنئي إلى أنه حتى الشباب الذين «ليسوا متدينين جدًا، قلوبهم نقية وصادقة بسبب شبابهم… هي كالمرايا الصافية تجتذب نور الهداية الإلهية». هذه النظرة المتفائلة تؤكد أن غير المتدين اليوم قد يصبح متدينًا صادقًا غدًا إذا وجد من يأخذ بيده. وعليه، ينصح المتدينين أنفسهم بأن يكونوا قدوة صالحة بين زملائهم وفي محيطهم كي «ينيروا الآخرين بنور هدايتهم». فالشاب إذا رأى صديقًا له متدينًا ولكن ناجحًا في دراسته أو عمله ومحبوب الأخلاق، سيتأثر به حتمًا.
- عدم اليأس من الهداية: يؤكد الإمام على محاربة اليأس والتشاؤم. فلا ينبغي للدعاة أن يستثنوا أحدًا من أمل الهداية، ولا أن يرسموا صورة قاتمة عن ابتعاد الناس؛ بل يستمرون بالعمل الدؤوب بحماس وأمل. وقد بيّن أن النفوس إذا أشرِبت حب الحق ستنجذب في النهاية، فعلينا فقط أن نوصل الحق بأسلوب محبّب ومقنع.
خلاصة موقف الإمام الخامنئي: ابذلوا الوسع في استقطاب الجميع، وافتحوا أبواب الدين على مصاريعها لكل باحث عن معنى، وتجنبوا كل ما ينفّر الناس بلا داعٍ. وهذه فلسفة تبليغية أثبتت نجاحها في إيران إلى حد كبير، حيث نرى شريحة من الشباب غير الملتزم ظاهريًا لكنها تحمل الاحترام لقيم الثورة بسبب هذا المنهج الشامل.
قدوات ونماذج ناجحة في جذب غير المتدينين
تاريخنا وحاضرنا زاخران بشخصيات تمكنت من استمالة قلوب البعيدين عن الدين بخلقها وسيرتها المميزة. من تلك النماذج المشرقة:
شخصيات معاصرة مؤثرة
- الإمام السيد علي الخامنئي: إلى جانب كونه مرجعًا وقائدًا سياسيًا، يمتلك شخصية روحية وأبوية جعلت كثيرًا من غير الملتزمين دينيًا في إيران وخارجها يُكنّون له المحبة والإعجاب. فهم يرون فيه نموذجًا للعدل والزهد والتواضع. مواقفه المناصرة للمستضعفين ورفضه للهيمنة الأجنبية أكسبته احترام شرائح علمانية ترى فيه صوتًا للحق. حتى إن البعض يقول إن سر حب الناس له أنه يخاطب قلوبهم قبل عقولهم، ويعامل الجميع كأبنائه. فهذه الصفات جذبت فئة من غير المتدينين ليعيدوا النظر في رؤيتهم لعلماء الدين عمومًا.
- السيد الشهيد حسن نصرالله: زعيم المقاومة اللبنانية شخصية كارزمية تحظى بحب واحترام العديد من المسيحيين والعلمانيين في لبنان والعالم العربي. شفافيته وصدقه – بحيث صار معروفًا أن وعدَه صادق – إضافة إلى تواضعه (رغم قوته السياسية) جعلته قريبًا من الناس على اختلاف مشاربهم. الكثيرون ممن لا يرتادون المسجد ولا يلتزمون بالضرورات الشرعية مع ذلك يستمعون لخطابات السيد حسن نصرالله لما فيها من عمق وصدق ومعالجة لقضايا الواقع. إنه مثال أن المصداقية والشعور الوطني الصادق يجتذبان النفوس بغض النظر عن الخلفية الدينية.
- الإمام موسى الصدر: عالم دين وقائد اجتماعي في الستينيات والسبعينيات، تميّز بقدرة فريدة على الحوار مع كافة الأطياف. “لم يكن رجل دين تقليديًا”، بل انفتح على اليساريين والنخب الثقافية وحتى رجال الدين من المسيحيين، مؤسسًا نهجًا من التعايش والعمل المشترك. تمكن من إعادة الهوية الدينية لشباب شيعة كانوا قد انخرطوا في أحزاب يسارية وعلمانية عبر إقناعهم بأن الإسلام يقف مع المحرومين ويحقق العدالة التي ينشدونها. كثيرون ممن لم يكونوا متدينين بدأوا يحضرون مجالسه ويتأثرون بخطاباته العقلانية العاطفية معًا. لذا صار رمزًا للوحدة الوطنية، أحبّه المتدين وغير المتدين على حد سواء، حتى قال أحد المفكرين: “كان من رسّخ العقيدة وأحيا الدين في زمن نهشت فيه الشيوعية والإلحاد بمجتمعنا”.
نماذج من سير الشهداء
- الشهيد إبراهيم هادي: شاب إيراني استشهد في الثمانينيات (الحرب الإيرانية – العراقية)، ولم يُعثر على جثمانه فلقب بـ”شهيد مجهول المزار”. تروي كتب سيرته (مثل سلام على إبراهیم) أنه كان يتمتع بروح رياضية وبدنية قوية وجاذبية شخصية خاصة. استخدم إبراهيم شعبيته في الحيّ لجذب رفاقه إلى الأنشطة الرياضية أولًا، ثم ربطهم بالمجالس الدينية تدريجيًا. كان معروفًا بحسن المعشر، يمزح ويضحك ولا يعيّر أحدًا بتقصيره الديني، بل يأخذ بيده برفق حتى يصير من روّاد المسجد. أحد أصدقائه ممن كان بعيدًا تمامًا عن الدين تحول بفضله إلى شاب ملتزم، لأنه تأثر بمحبة إبراهيم الصادقة له. بهذا الأسلوب – كسر الحاجز النفسي عبر نشاط محبوب (الرياضة) ثم التدرج في ربط الشاب بالجو الإيماني – قدّم إبراهيم هادي نموذجًا ناجحًا للمبلّغ غير المباشر. واليوم بعد عقود، أصبحت سيرته مصدر إلهام للشباب الإيراني (حتى غير المتدين منهم) لما تحمله من معانِ الفروسية والنبل دون تعصب ديني أجوف.
- السيد مرتضى آويني: شهيد عرف بـ”سيد شهداء أهل القلم”، وهو مفكر وفنان إيراني. مرتضى آويني في شبابه كان بعيدًا عن أجواء الدين، ومنغمسًا في دراسة الهندسة والفنون وربما تأثر بأفكار حداثية. لكنه مع انتصار الثورة الإسلامية وانخراطه في توثيق جبهات الحرب، انبهر بالإيمان العميق والبسالة لدى المقاتلين المتدينين، فتحول تدريجيًا إلى شخص شديد الإيمان، وسخّر قلمه وعدسته لنقل تلك الروحانية إلى عموم الناس. سلسلة أفلامه الوثائقية “رواية الفتح” كانت مثالًا على الخطاب الفني العميق الذي تأثر به حتى من لم يكن ملتزمًا، لأنها ربطت الحس الوطني بالقيم الدينية بشكل شفاف. كما أن كتاباته العرفانية والفلسفية بعد ذلك جذب قراءً من الشباب المثقف الذي ربما كان يعزف عن قراءة كتب العلماء التقليديين. فآويني يمثل جسرًا بين العقول المثقفة الحداثية وتجربة الإيمان الثوري، لذا تجد حتى بعض العلمانيين في إيران يبدون احترامًا له كظاهرة ثقافية فريدة.
هذه الأمثلة وغيرها تظهر أن الصدق والإخلاص ومخاطبة الفطرة الإنسانية هي العناصر المشتركة في نجاح هؤلاء باستقطاب الجميع. لم يستخدموا الإكراه ولا التسفيه، بل قدموا نموذجًا حيًا لما يدعو إليه الدين من مكارم الأخلاق. فالناس بطبعهم يميلون لمن يحبهم ويخدمهم بصدق، ويُنصتون لمن يمزج القول بالفعل.
نواقص الخطاب الديني في جذب غير المتدينين
رغم أصالة تلك التوجيهات الشرعية، نعاني أحيانًا من نواقص وعيوب في الخطاب الديني المعاصر تجعل الكثير من العلماء والخطباء غير قادرين على جذب غير المتدينين. ومن أبرز هذه النواقص:
- أسلوب الوعظ التقليدي الجاف: لا يزال بعض الوعّاظ يعتمدون لغة تقليدية مملّة أو أسلوب التخويف والترهيب المكثّف، ظنًا أنه كافٍ لهداية القلوب. لكن الواقع المعاصر تغيرت فيه أذواق الناس وطرق تقبّلهم للمعلومة. فالخطيب الذي يكرر نفس الكلام المسموع منذ عقود دون ارتباط بواقع الشباب وتحدياتهم المعاصرة، سيفقد اهتمام غير المتدين بسرعة.
- انعدام التواصل الفعّال مع الناس: يشتكي بعض الشباب أن بعض العلماء «لا يحاولون التواصل مع الناس وتشعر أنهم وحدهم يعرفون الدين والباقي جهلاء، بالإضافة إلى عبوسهم المفرط». هذا النقد يعكس فجوة بين بعض المتدينين وبقية المجتمع: غياب الابتسامة، وندرة الحوار، والنظرة الفوقية للمخاطب كلها أمور تنفّر الشاب غير الملتزم. يفترض بالعالم والمبلّغ أو الخطيب أن يكون بشوشًا قريبًا من الناس، يستمع أكثر مما يتكلم، ويحاور من موقع الأخ لا المعلّم المتعالي.
- التركيز على المظاهر دون الجوهر: كثيرًا ما يُختزل التدين في أعين الناس بصور شكلية (كالزيّ أو بعض العبارات) دون إبراز العمق الروحي والأخلاقي للدين. عندما لا يرى غير المتدين من الخطاب الديني سوى القشور والجدل حول الجزئيات، ويندر أن يسمع عن معالجة مشكلاته الحياتية ونفسيته القلقة من منطلق ديني، فسوف يعتبر الدين شيئًا منفصلًا عن واقعه. هذا قصور في تقديم الصورة الشمولية للإسلام كمنهج حياة متكامل.
- ضعف استخدام وسائل الإعلام الحديثة: ذكرنا أهمية الإعلام، لكن لا يزال المحتوى الديني الرقمي أقل جاذبية مقارنة بالمحتويات الترفيهية التي تغمر وسائل التواصل. كثير من العلماء التقليديين لم يواكبوا تقنيات إيصال الرسالة الحديثة، فاكتفوا بالمنابر أو الدروس الطويلة (ببثها أو بلا بث)، بينما انصرف الشباب إلى المنصات الرقمية السريعة والمحتوى المخصَّص له. هذه فجوة تقنية ومعرفية يجب سدها عبر تدريب المبلغين على مهارات التواصل الرقمي وصناعة المحتوى الذي يجذب العقول والقلوب.
- غياب القدوات الحية المؤثرة: الشباب غير المتدين قد لا يتأثر كثيرًا بمحاضرة عن الصحابة أو الأئمة إذا لم يستطع ربطها بواقع ملموس. عندما يغيب في مجتمعه عالم دين يحمل صفات القدوة (كالتواضع، وبساطة العيش، والتفاعل مع قضايا الناس)، يرسخ في ذهنه صورة نمطية سلبية عن العلماء. للأسف، أي تصرفات سلبية أو أخطاء تصدر من محسوبين على التيار الديني – وإن كانت قليلة – تُعمّم وتسوّغ عزوف الكثيرين من غير المتدينين عن المتدينين.
هذه بعض النواقص، ومعرفتها أول خطوة للعلاج. يجب أن يبدأ العلماء وطلبة العلوم الدينية بـنقد ذاتي لتحسين أسلوبهم وخطابهم، وألّا يُلقوا اللوم كله على الطرف الآخر (أي غير المتدينين). وكما قال الإمام الخامنئي مؤخرًا: «لا يصح أن نعزو عدم انجذاب الناس إلى ضعف دينهم، فاعتقادات الناس لم تضعف أبدًا»؛ بمعنى أنه إذا لم ينجذب الناس للخطاب الديني، فالمشكلة قد تكون في أسلوبنا لا في جوهر إيمانهم.
أساليب علمية وعملية لجذب غير المتدينين
لا تكفي النوايا الحسنة مالم تُترجم إلى أساليب مدروسة تراعي عقلية غير المتدينين واهتماماتهم. فيما يلي بعض الأساليب العلمية والعملية المقترحة:
- بناء جسور الثقة والصداقة: تعتبر الخطوة الأولى كسب الثقة عبر التواصل الشخصي. نقرأ في سيرة الشهيد إبراهيم هادي – وهو شاب رياضي – أنه نجح في جذب الشباب البعيدين عن الدين بأسلوبه الودّي؛ فقد «كان يصادق الفتية الذين لا مظهر ديني لهم ولا اهتمام لهم بالمسائل الدينية، ثم يجذبهم إلى الرياضة ويأخذهم بالتدريج إلى المسجد» . هذه الاستراتيجية في استقطابهم عبر اهتمام دنيوي مشترك (كالرياضة أو هواية معينة) أثبتت نجاعتها، لأنها تكسر الحواجز النفسية وتجعل الانتقال للحديث عن الدين سلسًا.
- استخدام منهج التدرّج والحكمة: من الخطأ مطالبة غير المتدين بالالتزام الفوري بكل الشعائر؛ بل ينبغي التدرج معه خطوةً خطوة. على سبيل المثال، يمكن تشجيعه على فضيلة أخلاقية أو عادة عبادية بسيطة في البداية. التدرّج سنة نبوية في التبليغ، حيث أرسل النبي (ص) معاذ بن جبل إلى اليمن قائلًا: «يسِّر ولا تعسِّر، وبشِّر ولا تنفِّر» . وهذا الإرشاد النبوي يضع منهجية واضحة: اجعل الأمور سهلة ميسورة في البداية ولا تواجه الناس بالتعقيدات منذ اللحظة الأولى، وأبرز لهم الجوانب الرحيمة والبشائر في الدين بدلًا من الإكثار من التحذير والترهيب.
- الخطاب المتمحور حول اهتماماتهم وقيمهم: كثير من غير المتدينين يهتمون بقضايا واقعية (كالعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وحقوق الإنسان). من الناجع ربط هذه القيم بالدين، وإظهار كيف أن التعاليم الدينية تدعمها. مثلًا، إبراز دور الإسلام في نصرة المظلوم وإطعام الفقير سيكسر الصورة النمطية في أذهان البعض بأن الدين يهتم فقط بالطقوس. هكذا فعل الإمام موسى الصدر في لبنان؛ فقد خاطب اليساريين والعلمانيين بمنطق العدالة الاجتماعية ورفع الحرمان، فقاد “حركة المحرومين” التي جمعت أطيافًا متنوعة تحت مظلة قيم إنسانية مستمدة من الدين. إذًا، تكييف محتوى التبليغ ليتقاطع مع أولويات المخاطَبين مفتاح لجذب اهتمامهم.
- توظيف التقنيات الحديثة والإعلام الجذاب: يعيش غير المتدينين – كغيرهم – في عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل. فلا بد من تقديم المحتوى الديني بأسلوب احترافي وجذاب بصريًا وفكريًا على هذه المنصات. الفيديوهات القصيرة المؤثرة، والقصص الواقعية الملهمة، وحملات التوعية الرقمية الذكية يمكن أن تصلهم حيث يقضون أوقاتهم. مع الحرص على أن يكون الخطاب شبابيًا ولغته معاصرة دون تكلف.
- الإحسان العملي وخدمة المجتمع: الأعمال الإنسانية والخدمات الاجتماعية باسم الدين لها أثر كبير في كسر الحواجز. عندما يرى غير المتدين جهودًا صادقة من متدينين في تنظيف حي، أو حملة طبية مجانية، أو إغاثة منكوبين – دون النظر لهوية المستفيد – فإنه يدرك الجانب العملي الرحيم للدين. هذه الدعوة الصامتة قد توقظ في قلبه الاحترام والتقدير، وتمهّد لقبول الدعوة الكلامية لاحقًا. وقد ورد عن الأئمة (ع) قولهم: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فرحمة الناس ورعاية مصالحهم من أنجع أساليب التبليغ.
- تجنب الجدل الهجومي واحترام حرية القناعة: من الضروري انتهاج أسلوب الحوار الراقي بدل المناظرات الجدلية الحادة. غير المتدين غالبًا يتحسس من أي محاولة لإجباره فكريًا أو الإساءة إلى قناعاته حتى لو كانت خاطئة. احترام حرية الاختيار التي وهبها الله للإنسان (كما في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾) هو مبدأ مهم. الإقناع الهادئ والإجابة عن الأسئلة والشبهات بصدر رحب أقرب لقبول نفوسهم من أي أسلوب فيه استعلاء أو تهجم.
باختصار، المنهج العلمي في التبليغ يقوم على التعرف على الطرف الآخر وفهم نفسيته، ثم مخاطبته بما يناسبه، والصبر على مراحل نموه الإيماني خطوة بخطوة.
الأساليب النفسية الموصى بها لجذب غير المتدينين
النجاح في مخاطبة من يعزفون عن الدين يتطلب فهمًا عميقًا لعلم النفس والإقناع. فيما يلي بعض الأساليب النفسية المفيدة:
- إشعارهم بالتقبل غير المشروط: كل إنسان يحتاج إلى أن يُقبَل ويحترم كإنسان قبل أي شيء. غير المتدين ربما يتوقع من المتدين النفور منه أو الحكم عليه مباشرة. لذا يجب كسر هذه التوقعات بإبداء تقبلنا له كشخص وإن كنا نرفض بعض سلوكياته. عندما يشعر أننا نحبّه ونهتم لأمره لذاته، سيفتح قلبه لنا. هذا لا يعني إقرارنا بما يفعل، لكن يعني أننا نفرق بين الشخص وخطئه. التقبل غير المشروط حجر الزاوية في مدارس العلاج النفسي الحديثة لجعل الطرف المقابل ينخرط في التغيير. كذلك هو في التبليغ؛ لن يتغير أحد ما لم يشعر بالأمان معك.
- الاستماع الفعّال والتعاطف: كثيرًا ما يحمل غير المتدين تصورات أو تجارب سلبية دفعته للابتعاد عن الدين. من أهم ما يمكن فعله هو الاستماع إليه بتعاطف. فبدل أن نبادره بِوابل من النصائح، نعطيه مساحة يعبّر عما في داخله: قد يروي تجربة سيئة مع شخص متدين، أو أسئلة شك حيَّرتْه ولم يجد لها جوابًا. علينا أن نُقرّ بمشاعره (“أتفهم شعورك…”) ونشعره أن همومه مفهومة وليست دليل خبث أو جهل منه. هذا يخفف مقاومته ويؤسس لعلاقة ثقة.
- استخدام مبدأ المعاملة بالمثل: في علم النفس الاجتماعي، يميل الإنسان لمجاراة من يجامله ويحسن إليه. إن أظهرنا الاحترام والتقدير لغير المتدين، سيشعر بدافع لاحترام ما نمثله نحن (أي الدين). وإن قدمنا له معروفًا، سترتبط صورة المتدين في ذهنه بالإيجابية وربما يشعر بـ”دين معنوي” يود رده بالإنصات. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ – أيّْ عامِل حتى من يُبغضك بالحسنى، فقانون الفطرة سيجعل قلبه يرقّ لك.
- تجنب المواجهة الجدلية المباشرة: يميل الإنسان حين يشعر أن معتقداته تُهاجَم إلى تبني وضعية الدفاع وربما العناد. لذا، من الحكمة تجنب المجابهة المباشرة في نقاش النقاط الخلافية – على الأقل في البداية. بدلاً من ذلك، يمكن طرح الأمور كـ”وجهة نظر” أو “تجربة شخصية” أو عبر قصة رمزية، وتركه يستنتج العبرة دون أن نضعه في خانة “أنت مخطئ”. هذا أسلوب سقراطي يُشعره بالاستقلالية في تقرير الحقيقة.
- توفير الدعم الاجتماعي والانتماء: أحيانًا يكون الدافع النفسي لترك الأجواء الدينية هو البحث عن الانتماء إلى مجموعات مرحة لا تكترث بالضوابط. هنا يمكننا العمل على خلق أجواء وأنشطة دينية شبابية مفعمة بالودّ والمرح المباح، ليشعر هؤلاء أن التدين لا يعني العزلة أو فقدان الأصحاب، بل بالعكس هناك مجتمع دافئ يمكن الانتماء إليه. احتواء أصدقاء السوء للشاب نقطة رئيسية: إن استطعنا دمجه في صحبة صالحة محبة، سنكسب نصف المعركة النفسية.
- تعزيز الدافعية الذاتية: الهدف الأسمى أن ينبع في داخل غير المتدين دافع شخصي للاقتراب من الله. كل ما سبق يمهد لذلك. يمكن أيضًا استخدام أساليب التحفيز: كإشعاره بالتقدم إن التزم ولو بشيء يسير (“رائع أنك بدأت تصلي الجمعة! هذه خطوة كبيرة”). والتحفيز قد يكون معنويًا بالثناء، أو حتى مكافأة رمزية إن اقتضى الأمر (كما يفعل بعض المبلغين مع الأطفال والشباب في المسابقات). لكن الأهم زرع شعور الرضا الداخلي وحلاوة الإيمان شيئًا فشيئًا، فهذا الشعور متى تذوقه لن يتركه.
إن توظيف فهم النفس البشرية ليس خداعًا، بل معونة لتحقيق هدف نبيل. وقد استخدم الأنبياء أساليب فطرية في التبليغ توافق الفطرة الإنسانية؛ هذه الحكمة النفسية نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.
تبسيط أم تعميق الخطاب الديني لغير المتدينين؟
أحد الأسئلة المهمة: هل نخاطب غير المتدينين بخطاب ديني مبسّط سطحياً أم نغوص معهم في العمق الفكري؟ والإجابة تعتمد على حالة المخاطَب ومستوى وعيه واهتمامه:
- تبسيط الأساسيات دون ابتذال: غير المتدين غالبًا يفتقر إلى كثير من المعرفة الدينية الأساسية أو لديه أفكار مشوّهة. من الخطأ أن نخاطبه بتفاصيل خلافية أو مصطلحات تخصصية منذ البداية. المطلوب هو تبسيط رسالة الدين في صورة مبادئ أخلاقية وإنسانية يفهمها العقل الجمعي. مثلاً: الحديث عن الرحمة، عن التكافل، عن الغاية من الحياة بطريقة سهلة. الرسول ﷺ كان يُراعي مستويات السامعين؛ فعندما أتى أعرابي يسأل عن الدين أجابه بكلمات معدودات عن الصلوات الخمس والصيام ولم يثقل عليه. فالتبسيط هنا يعني الوصول إلى جوهر الرسالة بلا تعقيد. على أن يكون التبسيط بعيدًا عن التسطيح أو تحريف المعاني؛ فقط نجعلها في متناول الجميع.
- الغوص عميقًا عند وجود الاستعداد: بالمقابل، بعض غير المتدينين عزفوا عن الدين لأن ما قُدّم لهم منه كان سطحيًا أو تقليديًا لا يشبع نهمهم الفكري. هذه الفئة تحتاج خطابًا أعمق يقدّم الفلسفة العقلية للدين، يجيب عن تساؤلات الوجود ومعضلات العصر، ويظهر البعد الفكري الراقي للإسلام. فالشباب الجامعي المثقف مثلاً قد لا يقنعه مجرد الترغيب بالجنة والترهيب بالنار، بل يريد أن يفهم لماذا نؤمن وماذا قدّم الإسلام للحضارة وكيف يواجه شبهات الإلحاد. هنا يجب ألا نتردد في تقديم الأطروحات العميقة (كإعجاز القرآن، ومقارنة الأيديولوجيات، وفقه المقاصد…) ولكن بلغة مبسطة نسبياً ومقارِنة تشد انتباهه.
- التدرج من البسيط إلى العميق: ربما المنهج الأمثل أن نبدأ بالأساسيات البسيطة الجذابة لترغيب الشخص، فإذا أنِس بنا وانفتحت مسامعه وقلبه، ننتقل شيئًا فشيئًا إلى المستويات الأعمق حسب قدرته. فلا نبقى عند قشور لا تشبعه ولا نقفز إلى أعماق تغرقه. على سبيل المثال: شاب لديه نزعة عدالة قوية لكنه يشكك في وجود إله – يمكن البدء بالحديث عن ظاهرة الظلم في العالم وكيف عالجتها الأديان، ثم نُدخل مفهوم العدل الإلهي رويدًا رويدًا، ومنها إلى إثبات حكمة الخالق. هذا سيناريو تدريجي يجمع التبسيط في أوله والعمق في نهايته.
باختصار، ليس هناك خيار واحد صالح لكل الأحوال؛ المعيار هو حالة الشخص وتدرجه المعرفي. المهم أن ندعوه بطريقة لا يملّ معها من السطحية ولا ينفر من الثقل الفكري قبل أوانه.
خاتمة: نحو احتضان الجميع
في الختام، يتبين لنا أن استقطاب غير المتدينين ليس مهمة مستحيلة ولا رحلة سريعة. بل هي مسار طويل من بناء الثقة والفهم المتبادل. يتطلب من المبلغين والعلماء تطوير أدواتهم وخطابهم، ويتطلب من عموم المتدينين التحلي بأعلى درجات الأخلاق وحسن المعاملة ليكونوا هم الدعوة المجسدة. كما يستلزم صبرًا ومثابرة؛ فالهداية بيد الله تأتي حين تتهيأ القلوب، وما علينا إلا البلاغ الجميل المستمر.
إن المجتمع المثالي ليس ذلك الذي يخلو من غير المتدينين، بل الذي لا يتخلى عن غير المتدينين ويعتبرهم أهلًا له يسعى برفق لهدايتهم وخيرهم. وكل فرد بعيد اليوم قد يكون قريبًا غدًا. فلنزرع بذور المحبة والإقناع في كل قلب، ولنسأل الله بصدق الهداية لنا ولهم. فربما من نستقطبه يصبح يومًا من قادة التبليغ وخيرة المتدينين – وقد رأينا عبر التاريخ العبر في تحولات الأشخاص عندما وُجدت اليد الحانية التي أخذت بأيديهم. نسأل الله أن يجعلنا جميعًا هداةً مهديين، وأن يعمّق الإيمان في القلوب وينير العقول بنور اليقين.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم، سورة النحل 16:125 (الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة).
- القرآن الكريم، سورة آل عمران 3:159 (أثر اللين في جمع الناس حول الدعوة).
- نهج التبليغ النبوي: وصية النبي ﷺ لمعاذ «يسّر ولا تعسّر وبشّر ولا تنفّر» ، والتي تُظهر منهج التيسير والترغيب في مخاطبة المدعوين.
- حديث الإمام الصادق (ع): «كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم» ، وحديثه الآخر: «معاشر الشيعة كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا…» ، التي تؤكد دور القدوة العملية في التبليغ.
- روايات أئمة أهل البيت في الحث على جذب الناس للدين برفق، ومنها: «رَحِمَ الله عَبداً حبَّبَنا إلى الناسِ ولم يُبَغّضنا إليهم، أما والله لو يَرْوُونَ محاسنَ كلامِنا لكانوا به أعَزّ…» ، ورواية «رحم الله عبدًا استجرّ مودّة الناس إلى نفسه وإلينا بأن يُظهر لهم ما يعرفون، ويَكُفّ عنهم ما يُنكرون».
- تجربة الإمام موسى الصدر في لبنان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وكيف استطاع بحركته الاجتماعية والدينية احتضان حتى اليساريين وإعادة ارتباطهم بهويتهم الدينية.
- توجيهات الإمام الخامنئي حول سياسة الجذب الأقصى والإقصاء الأدنى، كما في قوله: «جبهة الثورة وسّعوها واستقطبوا؛ لا تطردوا أحدًا لمجرّد اختلاف بسيط»، وقوله مخاطبًا المسؤولين: «لا تدعوا بسلوككم أصحاب الإيمان الضعيف ينقطعون؛ بل اجذبوا من كان في منتصف الطريق». كذلك إشادته بقلوب الشباب النقية مهما بدا عليهم من قلة الالتزام.
- سيرة الشهيد إبراهيم هادي وجهوده في جذب رفاقه الشباب للدين عبر الرياضة والرفقة الحسنة. شهادة رفاقه بأنه «كان يصادق الذين لا مظهر ديني لهم ويجذبهم تدريجيًا إلى المسجد والهيئات».
- مقالة تسنيم عن الشهيد إبراهيم هادي وكيف أصبح رمزًا يجذب الشباب حاليًا لرمزيته في الشهامة والإخلاص.
- شكاوى بعض الشباب على وسائل التواصل من أسلوب بعض المبلغين، مثل قول أحدهم: «بعض المشايخ لا يتواصلون مع الناس وتراهم يظنون أنهم وحدهم على صواب والجميع جهلة، زائد تجهمهم الدائم» ، ما يبرز الحاجة لتغيير الأسلوب.
- مداخلة في أحد المنتديات تشرح سبب عزوف الناس «لان الدنيا شغلتنا عن الآخرة… وزيّن لنا الشيطان التسويف» ، وهو تصريح صادق من شاب يشرح دافع التكاسل الدنيوي في ترك مجالس الذكر.
- دراسات علم النفس التبليغي والإقناع – ضمنيًا في تحليلنا – حول أهمية التقبل والتعاطف وحاجات الانتماء والدافعية الذاتية، والتي يدعمها الواقع العملي لتجارب التبليغ الحديثة.
كل هذه المصادر تؤكد خلاصة واحدة: إن جذب القلوب إلى نور الإيمان يتطلب حكمة في القول، ورحمة في الفعل، وصبرًا في المسير. نسأل الله أن يوفقنا لذلك.




جميل جدا، هل هذه الامور و التوصيات تنفع مع ” الاادري” او “الملحد”؟ الذي يتبنى الهجوم على الدين؟ ممكن تطبيق نقطة ” عدم تنفيره اي تقبله” و لكن هل ننجح بالنقاط الاخرى؟
نعم، هذه التوصيات يمكن أن تنفع مع اللاديني أو الملحد، لكن بشرط أساسي: أن لا نعامله على أنه حالة واحدة ثابتة. فالملحد الذي يتبنى الهجوم على الدين غالبًا لا يتحرك من منطلق عقلي خالص، بل من خلفية نفسية أو وجدانية أو تجربة سلبية، وأحيانًا من هوية دفاعية أكثر من كونه بحثًا عن الحقيقة.
في مثل هذه الحالات، الهدف لا يكون الإقناع المباشر، ولا إدخاله فورًا في حوار برهاني. أول ما يُنجَز هو كسر صورة “الخصم الديني” في ذهنه. هنا تكون نقطة عدم التنفير والتقبّل ليست مجاملة ولا تنازلًا، بل شرطًا نفسيًا أوليًا، وبدونها تفشل بقية الأدوات تلقائيًا.
أما بقية التوصيات، فهي لا تُلغى، لكنها تُستخدم بترتيب مختلف:
نبدأ بتخفيف العداء، ثم بفهم الدوافع قبل مناقشة الأفكار، ثم – إن وصل هو بنفسه إلى مرحلة الاستعداد – يأتي الحوار العقلي الهادئ. كثير من الملحدين الهجوميين لا يصلون إلى المرحلة الثالثة إلا نادرًا، وهذا طبيعي.
ما لا ينجح غالبًا معهم: الوعظ، الاستشهاد بالنصوص، أو منطق المناظرة والغلبة. هذه الأساليب تزيد التحصّن لا الفهم.
وما ينجح فعليًا: تفكيك الدوافع، طرح الأسئلة الوجودية بهدوء، كشف التناقض بلا استفزاز، وإبقاء باب الرجوع مفتوحًا.
حتى لو لم ننجح في “هدايته” مباشرة، فالنجاح قد يكون في:
تقليل عدائيته، كسر يقينه المغلق، أو منع تحوّله إلى مصدر نفور وعدوى فكرية. وهذا في ميزان الدعوة نجاح حقيقي لا فشل.
الخلاصة:
نعم، التقبّل وعدم التنفير صالحان دائمًا.
أما بقية النقاط، فتنفع مع الملحد الهجومي بشكل مرحلي، جزئي، وبنَفَس طويل.
والدعوة هنا ليست سباق نتائج، بل فنّ إبقاء الطريق مفتوحًا.