الإنسان، من هو ولِم وُجِد أصلًا؟ من منّا لم يسأل نفسه هذا السؤال؟ ماذا يريد الله منّا، ولم خلقنا إن كان هو الغنيّ المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد؟ فكّرت كثيرًا بالأمر، بحثت وتعمّقت، إلى أن مرّ ببالي قصة آدم في القرآن، توقّفت عندها كثيرًا. القصة هي أعمق من سرد أحداث بدء الخلق وما جرى في ذلك الوقت؛ فالله في هذه القصة التي يسردها في بضع آياتٍ في القرآن موزّعةٍ بشكلٍ أساسيٍّ في سورة البقرة وسورة الأعراف، يعطينا بعض الدلائل عن الهدف من خلقنا، وماذا يريد منّا، ويحذّرنا أيضًا ممّا قد يحول بيننا وبين الهدف.
هذا ما توصّلت إليه بعد البحث والتدقيق في مراجع عدّة، والتحليل الشخصيٍّ لكلّ هذه المعلومات. ولا أدّعي أبدًا أنّني فهمت الهدف من الخلق وأدركته؛ فبنظري هذا من أسرار الغيب التي لا قدرة لي عليها، لكنّ هذا التحليل ساعدني قليلًا في الإجابة عن كثيرٍ من التساؤلات التي تصدح برأسي كل يوم. وفي هذا المقال أقدّم ملخّصًا لما وصلت إليه.
خلافة الإنسان في الأرض
تبدأ القصة المعروفة بإخبار الله الملائكة بأنّه يريد أن يخلق خليفةً في أرضه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30). فكان جواب الملائكة بأنّه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (تفسير الميزان). فأجابهم الله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
ثم أخضعهم لاختبار الأسماء الذي فشلوا فيه، وظهر لهم من خلاله تفوّق آدم الذي يمثّل فعليًّا في هذه القصّة الإنسان بشكلٍ عامٍّ. هذا التفوّق هو بقدرة آدم على التعلّم، والاستكشاف، والتحليل والإبداع، وقدرته على تمييز الحقّ من الباطل. كما أنّه خليفة الله، والخليفة يتمتّع بصفات من يخلفه ليستطيع بجدٍّ أن يكون خليفةً.
ولأنّنا خلفاء الله، ترانا ننجذب إلى الجمال، والقوّة، والعلم، والإبداع، والحكمة، والفضائل والأخلاق (الإيثار، الصدق، الإنصاف…) وغيرها من الصفات الكماليّة التي يمكننا أن نمتلكها بإرادتنا. هذه الصفات هي صفات الله بطريقةٍ مطلقةٍ، ولأنّنا منه وخلفاؤه، فنحن ننجذب إليها ونحبّ أن نمتلكها.
موقف إبليس والتعصّب
بعد اختبار الأسماء، واكتشاف الملائكة ضعفهم أمام الإنسان، بدأت المرحلة الثانية من القصة، حين أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم، فسجدوا إلّا إبليس. إبليس على الرغم من أنّه من الجن، لكن كان مع الملائكة لأنّه كان في نفس مرتبتهم الوجوديّة (تفسير الصافي). المهمّ في القصّة هو رفض إبليس للسجود وجوابه حين سُئل عن سبب رفضه، كان بأنّه خيرٌ من الإنسان؛ لأنّه خُلِق من طينٍ وهو من نارٍ، والنار أفضل من الطين.
هذا الادّعاء، بقدر سخافته، تكمن خطورته في أنّه تعصّبٌ لنفسه لا لشيء سوى أنّه من نارٍ، معتمد على أفضليّة اخترعها. تمامًا كما فعل الرجل الأبيض، أو كما فعل أهل قريش أيّام الجاهلية، أو كما يفعل أيّ شخص من ملّة أو مجموعةٍ أو بلدٍ ما حينما يقارن نفسه بالآخر. الله يحذّرنا هنا: أنت أيّها الإنسان مميّزٌ بكونك خليفتي، وصاحب قدرةٍ وحرّيّةٍ، لكن إيّاك أن تتعصّب وتنسب أفضليّتك على الآخرين لأسباب واهيةٍ لا دخل لك بها أصلًا. إذًا العصبيّة من أهمّ الصفات التي يجب أن نحذر منها.
إبليس ودوره في نظام الامتحان
بعد رفض إبليس السجود، يسرد الله لنا الحوار الذي دار بينه وبين إبليس، عن طرده من الجنّة ومن مقامه المعنويّ، وعن إعطائه عمرًا مديدًا يمتدّ مع بني البشر، ويحدّثنا عن القسم الذي أقسمه إبليس بأن يُضلِّل ويغوي ذرّيّة آدم: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} (الأعراف: 16).
وهنا أسئلة كثيرة تُطرح: لِمَ أعطى الله إبليس العمر المديد ليغوينا؟ وكيف يمكن أن يغوينا إبليس إن لم تكن له سلطة على عقولنا وحرّيّتنا؟ ما وصلت إليه أنّ إبليس جزءٌ من نظام الامتحان، يُحرّك نوازع الشرّ، ويجعل الإنسان يركن إلى الدنيا وينسى الآخرة، في مقابل نوازع الخير والفطرة وتعاليم الأنبياء (الميزان، تفسير الأعراف).
الخوف والحرص في قصة الشجرة
بعد قَسَم إبليس وإمهاله، أسكن الله آدم وحواء في الجنة وأباح لهما كل شيء إلا شجرة معينة. ثم جاء إبليس ليغريهما قائلاً إنّ هذه الشجرة تعطي الخلود والملك الذي لا يبلى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ... فَأَكَلا مِنْهَا} (الأعراف: 20–22). مع أنّهما يملكان كلّ شيءٍ عداها، لكنّهما خالفا الأمر بسبب الحرص والخوف من الخسارة، وتصديق إبليس دون التأكد من صدقه.
الله يريد أن يلفتنا هنا إلى خطرين: العصبيّة والحرص. قال الإمام علي (ع): «الحرص أساس كل خطيئة» (غرر الحكم).
التوبة والعودة إلى الله
بعد هذه الحادثة، علّم الله آدم وحواء كيفيّة التوبة والرجوع إليه: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} (البقرة: 37). ثم أخبرهما أنّه حان موعد النزول إلى الأرض ليبدأ الامتحان الحقيقي. فالتوبة ليست نهاية بل بداية جديدة. قال الإمام علي (ع): «التوبة مطهرة للذنوب، ومفتاح للرجوع» (نهج البلاغة، الحكمة 417).
مقام الخلافة وتحقيق الذات
تُخبرنا هذه الآيات أنّ الإنسان فيه من الاستعدادات ما يكفي ليكون خليفة الله؛ أي أن يكون عالمًا، حكيمًا، عادلًا، رحيمًا… ولهذا ننجذب فطريًا لهذه الصفات. لكن في المقابل هناك ما يعوقنا: التعصّب، الحرص، الغفلة.
الخالق غنيّ مطلق: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} (فاطر: 15). لكننا نحن الذين نحتاج إلى هذا المقام ليكتمل وجودنا. قال الإمام الصادق (ع): «وجدتُ علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك...» (الكافي).
الخاتمة: الإنسان لأجل الإنسان
الظلم الذي يحدث في هذا العالم منذ فجر التاريخ نتيجة طبيعية لمن ابتعد عن مقام الخلافة، بالحرص والتعصّب والغفلة. لكن المصير الحقّ ليس هنا؛ عمليًّا الظالم يظلم نفسه إذ فرّط بما هو أبدي لأجل ما هو محدود زائل.
الخلاصة: الخلق لأجل تحقيق إنسانية الإنسان ونموّه اللامحدود. لكن الغفلة وربط المصير بهذه الدنيا جعلنا محدودي الأفق. نحتاج أن نعيد تعريف ذواتنا، ونسعى جميعًا في سبيل نمونا وتكاملنا. وبهذا السعي نكسب أفرادًا ومجتمعاتٍ، ونتقرّب من الله بما في قربه من قوّة وجمال مطلق.
رحلات معرفية ذات صلة:
رحلة خليفة الله: رحلة قرآنية تفسر آيات الخلافة الإلهية للإنسان، تجمع بين التدبر، المقارنة التفسيرية، والرد على الشبهات الفكرية.
مراجع للتوسّع:
- تفسير الميزان للطباطبائي
- تفسير الصافي للكاشاني
- الكافي للكليني
- نهج البلاغة
- غرر الحكم




0 تعليق