رحلة معرفية

غلاف دورة أنكي: ثورة في عالم الحفظ والمراجعة

أنكي: ثورة في عالم الحفظ والمراجعة

هل تكرر الحفظ دون نتيجة؟ اكتشف أنكي ونظام التكرار الذكي، وتعلم كيف تحوّل المراجعة إلى ذاكرة طويلة المدى.

مقال عميق

الغربلة والتمحيص في الإسلام | سنة إلهية لتمييز المؤمنين

التمحيص والغربلة سنتان إلهيتان حاضرتان؛ يكشف المقال معنى الابتلاء، ونتائج اجتياز الامتحان أو السقوط فيه بعصر الغيبة.

أين أنا؟ الرئيسية » الفكر والمعرفة » المرأة بين البيت والمجتمع في الرؤية الإسلامية الشيعية

المرأة بين البيت والمجتمع في الرؤية الإسلامية الشيعية

قراءة فقهية تفسيرية هادئة لعمل المرأة بين البيت والمجتمع، تجمع بين النصوص والسيرة والواقع، وتوضح مساحة الحضور الشرعي المنضبط.

مقدمة

يشهد المجتمع الشيعي جدلاً واسعًا حول مسألة ظهور المرأة خارج البيت ومشاركتها في مجالات العمل والإعلام. فمن جهة، يرى فريق من العلماء والمتدينين أنّ مكان المرأة الطبيعي هو البيت تأسّيًا بسيرة السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب عليهما السلام، وأنّ أفضل ما تقوم به المرأة هو التفرّغ للزوج وتربية الأبناء. ويعتبر هذا الفريق خروج المرأة للعمل أو للظهور الإعلامي مخالفًا للحياء والعفّة ومبادئ الإسلام. ومن جهة أخرى، يجادل فريق آخر بأنّ خروج المرأة وعملها في المجتمع لا يتعارض مع الإسلام، مستشهدين بتجربة المرأة المسلمة في دول كإيران ولبنان؛ حيث تشارك المرأة هناك في السياسة والفن والإعلام وسائر المجالات، ويعدّون حصر دورها في البيت تعطيلًا لطاقاتها وتخلّفًا غير مبرَّر.

هذا النقاش يتطلّب دراسة علمية متأنّية تتناول أدلة كل طرف بنظرة فقهية واجتماعية شمولية. سنستعرض فيما يلي رؤية الشريعة الإسلامية (وفق المنظور الشيعي) لموضوع عمل المرأة خارج المنزل، ودور الضرورة في ذلك، وآراء كبار المراجع، وكذلك مسألة ظهور المرأة في الإعلام(كالتمثيل في الأفلام والتلفزيون وصناعة المحتوى المرئي والصوتي عبر الإنترنت). وسنحدّد الشروط والضوابط الشرعية لمشاركة المرأة في الحياة العامة، ونناقش الحلول التي توازن بين متطلبات الأسرة ومشاركة المرأة المجتمعية، مدعّمين ذلك بآراء فقهية رصينة وإحصاءات اجتماعية حديثة. الهدف هو تقديم نظرة إسلامية شيعية متوازنة تستطيع إقناع القارئ المثقف، وتحظى في الوقت نفسه بتقدير المتخصص والحوزوي.

مرجعية القرآن والسيرة في قضايا المرأة

قبل الدخول في التفصيل، لا بدّ من ملاحظة منهجية: إنّ الفقه والكلام اجتهادان بشريان في فهم الدين، وهما “مولودان” لمصادره الأصلية لا “مولّدان” لها. ومن ثمّ فإنّ القضايا الحسّاسة – كقضية المرأة في المجال العام – ينبغي أن تُقرأ ابتداءً في ضوء كليات القرآن الكريم في الإنسان والكرامة والعفاف، ثم في ضوء السيرة العملية القطعية للنبي ﷺ وأهل بيته عليهم السلام، ثم تُفهم النصوص الجزئية في سياقها التاريخي والموضوعي. هذه الضابطة لا تُسقط النصوص، لكنها تمنع أن تتحوّل بعض القراءة الفقهية أو بعض الأخبار الجزئية إلى عدسةٍ تُعاد بها قراءة القرآن والسيرة بدل العكس.

ويكفي في هذا السياق أن القرآن الكريم قدّم المرأة في مواضع متعددة بوصفها نموذجًا إنسانيًا كاملًا، فجعل امرأتين مثالًا للإيمان لكل البشر، وهما آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، كما جعل امرأتين مثالًا للكفر، وهما امرأة نوح وامرأة لوط. وهذا العرض القرآني يؤكّد أن معيار الكرامة والكمال هو الإيمان والعمل، لا الذكورة والأنوثة، وأن المرأة في المنظور القرآني ليست استثناءً في الإنسانية ولا في قابلية القرب من الله تعالى.

مبدأ عمل المرأة خارج البيت في الشريعة

الأصل الأولي في الشريعة هو إباحة عمل المرأة وكسبها من خارج المنزل، ما دام عملها في ذاته مباحًا ولا يستلزم وقوعها في محظور شرعي . الإسلام لم يحرّم نوعًا من العمل على المرأة بينما أباحه للرجل؛ فللمرأة أن تمارس أي وظيفة أو حرفة مباحة كالزراعة والتجارة والطب والتعليم وغيرها . والشريعة تساوي بين الرجل والمرأة في حق التكسّب والتمتّع بثمرات العمل الحلال ، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن﴾ (سورة النساء، آية 32) . وقد فهم المفسّرون من هذه الآية إقرارًا صريحًا بحق المرأة في العمل والكسب والملكيةتمامًا كالرجل .

سيرة الإسلام التاريخية تؤكد ذلك؛ فالسيدة خديجة عليها السلام – وهي من أعظم نساء الإسلام – كانت تاجرةً تدير أعمالًا تجارية كبيرة، ولم يمنعها النبي ﷺ من تجارتها بل استفاد الإسلام من أموالها في نشر الدعوة . حتى أن النبي ﷺ قال: «ما نفعني مالٌ مثل ما نفعني مال خديجة» ، مشيدًا بمساهمتها المالية. وكذلك اشتهرت بعض الصحابيات بالتجارة والصناعة، مثل الحَوْلاء التي كانت تبيع العطور في المدينة، وقد نصحها النبي ﷺ بتحرّي الصدق والأمانة في بيعها دون أن ينهاها عن عملها. وأمّا الاعتراض بأن السيدة خديجة (ع) “لم تكن تتعامل مباشرة” بل عبر وكلاء ووسطاء، فهذا – إن صحّ في بعض تفصيلاته – لا يغيّر جوهر الاستدلال؛ لأن محلّ الاستدلال ليس “كيفية إدارة التجارة” بل أصل امتلاك المرأة وتصرّفها المالي وممارستها نشاطًا اقتصاديًا مشروعًاضمن أعراف زمانها وضوابطه. وإدارة الأعمال عبر الوكلاء كانت نمطًا شائعًا (مضاربةً ووكالةً) عند الرجال والنساء معًا، ولا تُحوّل المبدأ إلى “حضور اضطراري”. وأمّا دعوى أنّها “تركت التجارة بعد الزواج” فحتى لو فُرض حصول تغير في نمط إدارتها لأعمالها بعد الزواج، فهذا لا ينقض المبدأ؛ لأن الذي يهمّنا شرعًا وتاريخيًا أنّ الإسلام لم يقدّم الزواج بوصفه “إلغاءً لأهلية المرأة المالية أو الاقتصادية”، بل بقيت ذمتها المالية مستقلة، وبقي مالها لها، وبقيت مبادرتها بالإنفاق في سبيل الدعوة من أوضح الشواهد على فاعليتها الاقتصادية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قيمة هذه الشواهد ليست في كونها “استثناءات اضطرارية”، بل في كونها جزءًا من المشهد الاجتماعي الطبيعي في صدر الإسلام: المرأة تعمل وتتكسّب وتُخاطَب بالتوجيه الأخلاقي (الصدق، الأمانة، الوقار) من غير أن يُجعل أصل خروجها محلّ منعٍ شرعي. وهذا ينسجم مع القاعدة القرآنية العامة في مشروعية السعي والكسب ضمن الحلال، ومع كون معيار المنع ليس “الظهور بحدّ ذاته” بل ما قد يقترن به من محرمات أو مفاسد.

وفي زمن النبي ﷺ أيضًا شاركت النساء في ميادين النشاط العام: خرجن في الحروب لمداواة الجرحى وسقيا العطشى كما فعلت ليلى الغفارية في معارك المسلمين ، وحضرن صلاة الجماعة والجمعة، بل إن بعضهن بايع النبي ﷺ مباشرةً في بيعة الرضوان وغيرها . هذه الشواهد تبطل التصوّر بأن على المرأة أن تحبس في البيت مطلقًا؛ إذ النبي والأئمة لم يمنعوا المرأة من الخروج لحاجاتها مع الالتزام بالضوابط . بل نجد في الحديث أن أئمة أهل البيت كانوا يوصون النساء بتجنب لفت الأنظار عند السير في الطريق، دون أن يمنعوهن أصلًا من التواجد في الطريق ؛ فقد رُوي عن أبي الحسن عليه السلام أنه أوصى: «لا ينبغي للمرأة أن تمشي في وسط الطريق ولكنها تمشي إلى جانب الحائط»، درءًا للفتنة. وهذا تنبيهٌ على كيفية خروج المرأة لا على مبدأ الخروج ذاته. إذن من اللافت أنّ بعض النصوص الروائية عندما تتناول خروج المرأة لا تأتي بصيغة “المنع”، بل بصيغة ترشيد الهيئة والسلوك، وهو توجيهٌ يُفهم منه أنّ المفروض وقوع الخروج ثم تُذكر آدابه، لا أن الخروج ممنوعٌ ابتداءً.

ويؤكّد القرآن الكريم هذا المبدأ من خلال عرضه لنماذج نسائية إيجابية شاركت في النشاط الاجتماعي والاقتصادي مع حفظ العفّة والوقار. ومن أوضح هذه النماذج ما قصّه القرآن عن ابنتَي نبيّ الله شعيب عليه السلام، حيث خرجتا لسقي الغنم، وهو عملٌ ميدانيّ خارج إطار البيت، ولم يُنكر القرآن أصل خروجهما، بل ركّز على السلوك الأخلاقي المصاحب له، فقال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.

فالآية لا تقدّم نموذجًا لامرأة محبوسة عن المجتمع، ولا لامرأة متفلّتة من الضوابط، بل لامرأة حاضرة في المجال العام، تعمل وتتحرّك، مع التحلّي بالحياء والاحتشام. وهذا يؤكّد أن المعيار القرآني ليس منع الحضور، بل تهذيبه أخلاقيًا.

ومن اللافت أن السيرة العملية للنبي ﷺ وأهل البيت عليهم السلام – في الجملة – لا تُظهر ذهنية “المنع من الحضور”، بل تظهر ذهنية “تهذيب الحضور”: أي تثبيت أصل الخروج للحاجة والعمل، مع تعليم آدابه وضوابطه (الستر، الوقار، تجنب لفت الأنظار، عدم الانجرار إلى الفتنة). وهذا يفسّر لماذا نجد في أبواب الآداب والوصايا تنبيهات على “الكيفية”، أكثر من وجود نصوص تشريعية صريحة تُنشئ “حظرًا عامًا” على أصل الحركة الاجتماعية للمرأة.

كما أنّ سيرة النبي ﷺ العملية تؤكّد أن الخطاب الإسلامي لم يُبنَ على إقصاء المرأة من المجال العام، بل على ترسيخ قيمة العفّة في سلوكها الاجتماعي. ففي آيات بيعة النساء، ركّز القرآن على الالتزامات الأخلاقية الكبرى: كترك الزنا، وعدم السرقة، وعدم الفاحشة، ولم يجعل من الانزواء أو الانقطاع عن المجتمع شرطًا في الالتزام الديني.

وهذا يدلّ بوضوح على أن العفّة هي الأصل المقصود في التشريع، أما طريقة حضور المرأة في المجتمع فمترتبة على هذا الأصل، لا مناقضة له.

خلاصة القولالإسلام دين الفطرة ولم يمنع المرأة من العمل من حيث المبدأ ، وإنما وضع إطارًا عامًا يضمن صيانة كرامتها ودورها الطبيعي. الأصل هو الحرية والإباحة لكل إنسان – رجلًا كان أو امرأة – في العمل والكسب الحلال . ولا يوجد في القرآن أو السنة ما ينهى عن عمل المرأة بشكل مطلق ، إلا أن التشريع رسم أدوارًا متكاملة لكل من الرجل والمرأة ضمن الأسرة والمجتمع سنشرحها فيما يلي.

دور المرأة الطبيعي بين الأسرة والمجتمع

رؤية الإسلام لمسألة عمل المرأة ترتبط بالفروق الفطرية والأدوار الطبيعية لكل من الجنسين. يقرّ الإسلام بأن المرأة والرجل متساويان في الكرامة الإنسانية والأهلية العامة ، لكن لكلٍ منهما وظائف خاصة تتلاءم مع تكوينه الجسمي والنفسي . هذه الخصوصيات لا تعني انتقاصًا من أهلية المرأة، بل مراعاة لما فطرها الله عليه من قدرات مميزة. فمثلًا، دور الأمومة والحمل والرضاعة دورٌ عظيم اختُصّت به المرأة دون الرجل، ويتطلب منها جهدًا ووقتًا قد يصل إلى أعوام في كل مرّة . خلال هذه الفترة، يكون أهم واجبات المرأة رعاية الطفل وتوفير الحنان والتربية السليمة له، إذ لا يمكن لأي أحد أن يحل محل الأم في هذه المهمة . وقد أكّد الإمام الخامنئي على هذه الحقيقة بقوله: «لا بديل عن الأم في تربية أبنائها وحل عقد عواطف الطفل الدقيقة… أما العمل خارج البيت، إن لم تقم به هذه المرأة فهناك عشرات غيرها يمكنهم القيام به» . فالأولويّة المنطقية هي لدور لا يمكن استبدال المرأة فيه، وهو دور الأمومة وإدارة شؤون الأسرة .

من هنا، جعل الإسلام رعاية الأسرة الوظيفة الأولى للمرأة، وجعل النفقة وتوفير المعيشة وظيفة أولى للرجل . هذا تقسيم تكاملي للأدوارلضمان قيام كل طرف بمسؤولياته الفطرية على أكمل وجه . فالرجل بحكم بنيته الجسدية الأقوى وانشغاله خارج المنزل، كُلّف بالكدّ وتحصيل الرزق ؛ والمرأة بحكم استعدادها الفطري للأمومة والعاطفة الجيّاشة، كُلّفت برعاية الأطفال وإدارة جو الأسرة الداخلي . يقول أحد الباحثين الشرعيين: «المرأة محور الأسرة، هي حلقة الوصل العاطفي بين أفرادها، فإن تخلّت عن هذا الدور انهار “عمود الخيمة” الذي يقوم عليه كيان العائلة» . لذلك يحرص الإسلام على ألا تفرّط المرأة بدورها الأسري عند خروجها للعمل ؛ فلا معنى لنجاحٍ مهني يأتي على حساب جيل ضائع من الأبناء المحرومين من عطف الأم وتربيتها . وقد نبّه الإمام الخامنئي إلى أن عمل المرأة مرحّب به ما لم يؤدِّ إلى تقصير في واجباتها الأسرية التي لا بديل لها«نحن نوافق على مشاركة المرأة في العمل الاقتصادي والاجتماعي، شرط ألا يطغى ذلك على عملها الأساسي في الزوجية والأمومة وتدبير المنزل» .

وعليه، لا تعارض بين قيام المرأة بدورها الأسري وبين عملها خارجه إذا نظّم الأمر بحكمة. قد يرى البعض – عن حُسن نية – أن على المرأة التركيز حصريًا على البيت، لكن هذا الطرح يغفل إمكانية تحقيق التوازن بمساعدة المجتمع والأسرة. الإسلام لم يأمر بحبس المرأة في المنزلقطعًا ؛ فقد شاركت نساء أهل البيت أنفسهن في ساحات المجتمع عند الحاجة، ولنا في موقف السيدة زينب عليها السلام أفضل مثال، إذ خرجت مع الإمام الحسين في ملحمة كربلاء وقادت مهمة تبليغ رسالة الثورة بعد استشهاده، حفاظًا على الدين ودحضًا للباطل . هذه المشاركة لم تكن خروجًا عن نطاق العفة، بل قيامًا بواجب رسالي واجتماعي سامٍ اقتضته الضرورة الشرعية والتاريخية.

باختصار، يؤكد الفكر الإسلامي الشيعي أنّ المرأة يمكنها أن تكون “تقليدية” و”عصرية” معًا : تقوم بدورها الأمومي والأسري على أكمل وجه، وفي الوقت عينه تساهم في الحياة العامة وفق الضوابط الشرعية دون أن يسيء ذلك لأسرتها . وقد عبّر الإمام الخامنئي عن هذه الرؤية بقوله: «المرأة محور الأسرة، لكن هذا لا يمنعها من الدراسة والعمل والمشاركة الاجتماعية ما دامت مهام البيت مصانة… يجب أن نوفّر لها الفرص لتُنمّي مواهبها العلمية والعملية إلى جانب دورها في البيت» . فالإسلام يريد للمرأة أن تكون فاعلة في مجتمعها من غير أن تُهمّش عائلتها؛ وهذا توازن دقيق يمكن تحقيقه عبر التخطيط المجتمعي السليم كما سنناقش لاحقًا.

هل عمل المرأة مشروط بالضرورة؟ ومن يقدّرها؟

يثير البعض سؤالًا: هل خروج المرأة للعمل مباح فقط في حالات الضرورة القصوى؟ بمعنى آخر: هل الأصل منعها إلا إن اضطرت لمرض زوجها أو حاجة المجتمع لتخصصها ونحو ذلك؟ الحقيقة أنّ الضرورة ليست شرطًا لإباحة عمل المرأة، وإنما هي عامل مُوجب لعملها أحيانًا. شرح الفقهاء أنّ الأصل الشرعي هو الجواز ما لم يوجد مانع خاص . نعم، قد يصبح خروج المرأة واجبًا كفائيًا إذا توقف عليه أمر ضروري للمجتمع المسلم لا يقوم به إلا النساء. على سبيل المثال: توفير طبيبات ومعلمات ومدرّسات من النساء أمر حيوي حفاظًا على الخصوصية الشرعية للنساء، وقد صرّح الإمام الخامنئي بوجوب تشجيع النساء على التخصص في كافة فروع الطب، لا الاكتفاء بطب النساء والولادة . قال (حفظه الله): «على النساء التخصص في كافة الفروع الطبية وعدم الاكتفاء بالطب النسائي» ، وذلك لتلبية حاجات المجتمع الإسلامي بحيث تعالج المرأةُ المرأةَ في كل المجالات. إذًا هنا الضرورة المجتمعية جعلت عمل المرأة طبيبة في مختلف التخصصات أمرًا مطلوبًا شرعًا.

وتؤكّد السيرة النبوية أن خروج المرأة لم يُحصر في حالات الاضطرار القصوى، بل كان أمرًا طبيعيًا منضبطًا في الحياة الإسلامية الأولى. فقد ثبت في السيرة أن النبي ﷺ كان إذا أراد السفر أجرى قرعة بين زوجاته، فخرج بإحداهن معه. ولو كان خروج المرأة لا يُشرَع إلا عند الضرورة الملجئة، لما استقام هذا النمط المتكرر في سيرة النبي ﷺ، إذ لا يمكن حمل السفر المتكرر على كونه حالة اضطرارية استثنائية. وهذا شاهد عملي قويّ على أن الأصل هو الجواز، لا المنع، مع مراعاة الضوابط الشرعية.

بالمقابل، ليس صحيحًا أنه لا يجوز للمرأة العمل إلا إن كانت محتاجة ماديًا أو لعدم وجود معيل. هذه نظرة ضيّقة يرفضها فقهاء كثيرون. وقد صرّح عدد من فقهاء الإمامية المعاصرين – في أجوبتهم الاستفتائية العامة – بأن اشتراط “الضرورة المالية” على نحو القيد في أصل عمل المرأة ليس ظاهرًا من أدلة الباب؛ بل المدار على مشروعية نفس العمل، وصيانة الضوابط الشرعية، وعدم تضييع الحقوق الواجبة داخل الأسرة. نعم، لا ريب أن تقدير المصالح والمفاسد قد يختلف باختلاف البيئات، وهو ما يستدعي حكمة في التطبيق لا تغييرًا لأصل الحكم. كذلك بيّن الفقيه الشيخ محمد جواد مغنية أن الآيات القرآنية لا توحي باشتراط الضرورة لعمل المرأة، بل تتحدث عن عمل المرأة والرجل على حد سواء ضمن إطار الالتزام الديني. وفي القرآن الكريم، مدح الله النساء اللواتي شاركن في الهجرة والجهاد جنبًا إلى جنب مع الرجال دون إشارة إلى أن ذلك كان مرهونًا بحالة اضطرارية خاصة.

أما من يقدّر الضرورة في حال وجودها، فالمرجع هو الشرع وتشخيص أولي الأمر والثقات في المجتمع. مثلًا: إذا احتاج المجتمع لطبيبات مسلمات، تصبح دراسة المرأة للطب ضرورة شرعية يقدّرها أهل الاختصاص الشرعي والطبي. وكذلك حاجة المرأة للعمل لإعالة نفسها أو أسرتها إذا انعدم المعيل أو عجز، هذه ضرورة تقدرها هي بنفسها بحسب حالها الاقتصادي ومستوى الكفاية الذي ارتضاه الشرع (الكفاية في المعيشة). فالإسلام لا يفرض العوز على المرأة؛ بل جعل لها حق طلب العمل إذا احتاجت دون انتظار إذن أحد في حالات الضرورة القصوى كنفقة نفسها لو امتنع وليّها أو زوجها . لكن في الحالة العادية (أي دون اضطرار اقتصادي أو اجتماعي)، يبقى عملها مباحًا مشروطًا بالضوابط كما سيأتي، وليس محظورًا انتظارًا لحصول ضرورة.

ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا مما يُسمى “ضرورات” هو في الواقع من الحاجات التحسينية التي تختلف باختلاف نمط الحياة. فمثلًا، قد لا تكون الأسرة محتاجة لدخل الزوجة للضروريات، لكن قد تعمل لتحسين دخل الأسرة أو لاستثمار شهادتها العلمية. هذا مباح شرعًا ضمن الضوابط، لكنه ليس ضرورة ملجئة بمعنى الاضطرار الفقهي (الذي يبيح المحظور). لذا ينبغي التفريق بين إباحة العمل ابتداءً، وبين ترخيص بعض المحظورات حال الضرورة الحقيقيةالخلاصة: يجوز للمرأة العمل من حيث المبدأ بدون حصره بحال اضطرار، ولكن إن استلزمت ظروف عملها مخالفة شرعية معينة، فهنا تُنظر الضرورة الخاصة لتلك المخالفة (ككشف بعض الحجاب للعلاج الطبي مثلًا) ويقدّرها الفقيه أو المكلّف بحسب الموازين الشرعية للضرورة. أما الأصل العام فلا منع مع وجود البديل الشرعي.

إذن، الحقيقة أنّ كثيرًا من كلمات الفقهاء لا تُدرج “عمل المرأة وظهورها” ابتداءً تحت عنوان «الضرورات التي تبيح المحظورات»، بمعنى أنّ الأصل فيه الحظر ثم يُرخّص عند الاضطرار؛ بل الأصل فيه الإباحة المقيّدة بالضوابط، وقد ترتفع درجته في بعض الموارد إلى “الطلب المؤكد” أو “الوجوب الكفائي” عند حاجة المجتمع، كما قد تبرز “الضرورة” فقط عند اقتران العمل بمحظورٍ عارض (ككشف موضعٍ للعلاج، أو نحو ذلك) فتكون الضرورة متعلّقة بالمحظور الطارئ لا بأصل الحضور.

معيار التعامل مع الروايات التي تُطلق ذمًّا عامًا للمرأة

قبل الاستدلال بأي رواية تُطلق حكمًا سلبيًا عامًا على “المرأة بما هي امرأة”، يلزم اعتماد منهجٍ شيعيّ رصين في الفهم والتمحيص، يقوم على ثلاث قواعد:

أولًا: مرجعية القرآن في التصوّر الكلي للإنسان؛ فالقرآن يقرّر وحدة الأصل الإنساني ويجعل معيار الكرامة التقوى والعمل، ويعرض نماذج نسائية راقية لتكون “مثلًا” للمؤمنين والمؤمنات، مما يمنع قبول صورةٍ روائية تهدم هذا البناء من غير قرينة قوية.

ثانيًا: عرض المتن على السيرة العملية؛ إذ لو كان “احتقار المرأة” مكوّنًا أصيلًا في الدين لظهر أثره في سلوك النبي والأئمة (ع) وفي هندسة المجتمع الذي ربّوه، بينما الشواهد العملية في الجملة لا تؤيّد هذا التعميم.

ثالثًا: إدراك أنّ بعض المتون قد تتأثر بـواردات ثقافية أو بسياقات وعظية/ظرفية، وأن التقييم السندي وحده لا يكفي دائمًا؛ لأن سلامة الإسناد لا تعني بالضرورة سلامة الدلالة أو خلوّ المتن من التأثيرات السياقية، فيبقى الاحتكام للمنظومة الكلية (قرآنًا وسيرةً ومقاصد) ضرورةً لفهمٍ مأمون. ومن أمثلة ما يُناقَش في باب “الواردات الثقافية” بعضُ المرويات الوعظية المطوّلة التي تصف عذاب “طوائف من النساء” في المعراج بصورٍ شديدة التفصيل؛ إذ نَبّه باحثون إلى وجود تشابهات لافتة بين بعض هذه التصاوير وبين سرديات دينية/أسطورية أقدم في بيئات غير إسلامية، ما يستدعي الحذر في الجزم بنسبة كل التفصيلات إلى المعصومين، من دون الجزم بردّها أو نفي أصلها، بل بدعوةٍ إلى التوقف العلمي وفهمها في ضوء المنهج الكلي؛ خصوصًا عندما تأتي الصياغات على نحوٍ نمطي يجعل الذمّ “أنثويًا” مع أن الذنب إنسانيّ مشترك.

وتثار في هذا الباب مجموعة من الروايات التي يُفهم منها – للوهلة الأولى – نظرة سلبية إلى حضور المرأة في المجتمع، كالروايات الواردة في ذمّ النساء مطلقًا، أو الدعوة إلى انزوائهن الكامل، مثل ما نُقل: «خيرٌ للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال». والتعامل العلمي الرصين مع هذه النصوص يقتضي تطبيق القواعد المنهجية المتقدمة عليها، لا عزلها عن السياق الكلي لفهم الدين؛ وذلك من خلال:

أوّلًا: عرضها على القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا في رسم صورة الإنسان، حيث يقرّر وحدة الكرامة الإنسانية وقابلية الكمال للرجل والمرأة معًا.

ثانيًا: مقارنتها بالسيرة العملية القطعية للنبي ﷺ وأهل بيته عليهم السلام، والتي تثبت حضور المرأة في المجتمع حضورًا واعيًا منضبطًا، لا انزواءً مطلقًا.

ثالثًا: التمييز بين التوجيه الأخلاقي نحو الأكمل، وبين الحكم التشريعي الملزم؛ فإن كثيرًا من هذه الروايات – على فرض ثبوتها – واردة في سياق تقليل أسباب الفتنة، لا في مقام تشريع المنع أو التحريم.

وعليه، فإن تحويل هذه النصوص إلى أساس لمنع المرأة من العمل أو المشاركة العامة يناقض مجموع القرآن والسيرة، ويؤدّي إلى قراءة تجزيئية لا تنسجم مع روح التشريع الإسلامي.

وبناءً على هذا المنهج، فإن رواية «خيرٌ للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال» – على فرض ثبوتها سندًا – لا يمكن فهمها على أنها تشريع عام بحبس المرأة أو إلغاء حضورها الاجتماعي؛ إذ لو أُخذت على ظاهر الإطلاق لعارضت سيرة نساء النبي ﷺ ونساء المؤمنين ونساء أهل البيت عليهم السلام، والتي قامت على الحضور الواعي المنضبط، لا على العزلة المطلقة. والأقرب في فهمها أنها توجيه أخلاقي نحو تقليل أسباب التعلّق والافتتان، لا نفيٌ لمشروعية الخروج والعمل، تمامًا كما وردت نصوص كثيرة في الحثّ على غضّ البصر دون أن تُفهم على أنها تحريم للنظر مطلقًا في كل سياق. هذا كلّه حتى على فرض غضّ النظر عن البحث السندي؛ مع أنّ السيد الخوئي رحمه الله صرّح في مستند العروة/كتاب النكاح بأن هذه الرواية مرسلة ولا سند معتبر لها.

آراء مراجع الشيعة وعلمائهم في المسألة

اتفق أكثر مراجع الفقه الشيعة المعاصرين على جواز عمل المرأة ومشاركتها الاجتماعية ضمن الضوابط الشرعية، وإن تباينت تعابيرهم في التفاصيل. نعرض فيما يلي خلاصة آراء بعضهم:

  • الإمام روح الله الخميني قدّس سره: لم يعارض تعليم المرأة وعملها من حيث المبدأ، وقد شجّع على مشاركة النساء في الثورة الإسلامية وفي الانتخابات والعمل الاجتماعي. لكنه فقهياً قرر في تحرير الوسيلة حكمًا تقليديًا مفاده: لا يجوز للزوجة الخروج من منزل الزوجية من دون إذن الزوج . هذا الحكم مرتبط بحق الزوج في الاستمتاع وتدبير شؤون الأسرة أكثر من كونه حكمًا بتقييد حركة المرأة كإنسان . فالإمام الخميني رأى أن عقد الزواج يمنح الزوج حقًا في تواجد زوجته في البيت لأداء حقوقه الزوجية، تمامًا كما يوجب عليه نفقتها وحمايتها . لكن هذا لا يعني منعها من العمل إطلاقًا، بل يعني اشتراط التنسيق والاتفاق بين الزوجين تحقيقًا لمصلحة الأسرة . ولذا أجاز الفقه الشيعي عمومًا اشتراط الزوجة في عقد النكاح أن يُسمح لها بالدراسة أو العمل، وحينها يجب على الزوج الوفاء بالشرط. وفعليًا، في إيران الثورة – وبتوجيه الإمام الخميني نفسه – كان للنساء دور بارز في مختلف المجالات من الطب والهندسة إلى القضاء والتعليم، ضمن حدود الشريعة. فالتشديد النظري على إذن الزوج لم يُترجم إلى تعطيلٍ لدور المرأة، بل إلى تنظيم العلاقة الزوجية وحفظ حق كل طرف. وفي هذا الإطار يقول الشهيد مرتضى مطهري (وهو من كبار منظّري الثورة الإسلامية): «عدم جواز خروج الزوجة بدون إذن زوجها بصورته المطلقة تقليدٌ غير مقبول وتوجه متشدّد» ، منتقدًا الآراء التي تحبس المرأة ومتطرفي العادات القديمة. وقد كان للشهيد مطهري طرحٌ رائد يقضي بأن المرأة في النظام الإسلامي ليست محصورة بين جدران منزلية ولا منخرطة بانفلات كما في الغرب، بل حضورها “عفيف ونبيل” في المجتمع . وهو حضور لا يلغي أن دورها الأسري أساسي، بل يوازن بين الاثنين. وكان مطهري صريحًا في اعتبار منع المرأة من المشاركة الاجتماعية خطأ كبيرًا أدى تاريخيًا إلى تحقيرها . لذلك تبنّت الجمهورية الإسلامية رؤية مطهري بـنموذج “الحضور العفيف” للنساء، حيث تعمل المرأة وتتعلم وتشارك مجتمعيًا مع التزام الحجاب والأخلاق.
  • الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي رحمه الله: يقدّم الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي رحمه الله معالجةً تأصيلية دقيقة لمسألة مشاركة المرأة في الشأن العام، تقوم على مبدأ استقلال الشخصية الاجتماعية والسياسية للمرأة في الإسلام، ورفض اختزالها في كونها تابعة للرجل في هذا المجال. يقول رحمه الله في كتابه الأسئلة والأجوبة: «كما أنّ الرجال مستقلّون في الفعاليات الاجتماعية والسياسية، فإنّ النساء أيضًا يمتلكن هذا الاستقلال الاجتماعي والسياسي، ولا يصحّ اعتبارهنّ تابعات للرجل. فالنساء – كالرجال – لهنّ حقّ المشاركة في الشؤون الاجتماعية» (الأسئلة والأجوبة، ج 5، ص 273). ويؤكّد الشيخ مصباح أنّ هذا المبدأ ليس نتاج قراءة اجتماعية معاصرة، بل هو مستند إلى نصٍّ قرآني صريح، ويعتبر أنّ أوضح الشواهد القرآنية على الاستقلال الاجتماعي–السياسي للمرأة هما آيتا البيعة في سورة الممتحنة، حيث خاطب القرآن النساء مباشرة، واعتبرهنّ أطرافًا مستقلّة في الالتزام السياسي والأخلاقي للأمّة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ…﴾ (سورة الممتحنة: الآية 10) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۖ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ (سورة الممتحنة: الآية 12). ويُحلّل الشيخ مصباح دلالة هذه الآيات بأن البيعة فعلٌ اجتماعي–سياسي صريح، يتضمّن الالتزام بالنظام العام، والطاعة في المعروف، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية داخل المجتمع. وكون القرآن يذكر بيعة النساء للنبي ﷺ بشكل مستقل، لا عبر أزواجهنّ أو أوليائهنّ، يكشف بوضوح أنّ المرأة في التصور الإسلامي ذات أهلية كاملة في القرار الاجتماعي والسياسي، تُخاطَب بوصفها فاعلًا مسؤولًا، لا تابعًا أو ملحقًا بالرجل. وعليه، يرى الشيخ مصباح اليزدي أنّ أي قراءة دينية تحاول نفي هذا الاستقلال أو اختزال حضور المرأة في المجال الخاص فقط، تفتقر إلى السند القرآني الصريح، ولا تنسجم مع البناء الكلّي للشريعة، التي تُحمّل المرأة – كما الرجل – مسؤولية المشاركة الواعية في شؤون المجتمع، ضمن إطار القيم والضوابط الأخلاقية.
  • السيد علي السيستاني (دام ظله): يرى سماحته جواز عمل المرأة في أي مجال مباح بشرط التزام الحجاب وكافة الأحكام الشرعية وعدم وقوعها في حرام. في فتوى له حول التمثيل والظهور التلفزيوني، أجاب أنه يجوز للمرأة التمثيل إذا كان السيناريو والجو العام مضبوطًا بحيث لا يؤدّي إلى مخالفة شرعية: كوجوب الستر الكامل، واجتناب أي لمس أو كلام مُريب مع أجنبي في المشاهد . قال نصًا: «يجوز للمرأة التمثيل إذا كان لا يؤدي إلى مخالفة حكم شرعي كوجوب الستر التام والعفة، فلا يجوز أن تلامس الأجنبي أو أن تتكلم معه بكلام لا يصح إلا مع المحارم كإظهار الحب والمودّة» . هذه الضوابط نفسها يذكرها السيد السيستاني في مجال عمل المرأة عمومًا؛ فلا مانع عنده من عملها كطبيبة أو مهندسة أو إعلامية ما دام حجابها وعفتها مصونين، والأجواء محترمة لا تثير فتنة. وهو يشدد – كسائر الفقهاء – على أن لا يسبّب عملها إخلالًا بحقوق زوجها أو أطفالها الواجبة. فإن تعارض العمل مع واجب رعاية الطفل مثلًا، ينبغي التوفيق أو تقديم الأهم منهما شرعًا. لكن كثيرًا ما يمكن التوفيق بتنظيم الوقت والاستعانة بمربيات وغيرها. وفي باب القضاء والوظائف العامة، يميل السيد السيستاني إلى عدم تولّي المرأة للقضاء (كمعظم فقهاء الإمامية التقليديين) لأدلة فقهية مختلفة، لكنه لا يمنع توليها مناصب إدارية أو سياسية وقد شهدنا في العراق الحديث تولّي نساء شيعيات لمواقع برلمانية وحكومية بتشجيع من المرجعية العليا (التي رحّبت بدخول المرأة في الانتخابات والبرلمان ضمن الكوتا النسائية).
  • الإمام السيد علي الخامنئي (حفظه الله): يُعتبر من أبرز الداعمين لانخراط المرأة في التنمية الاجتماعية والعلمية ضمن المبادئ الإسلامية. فهو يكرر في خطاباته أن مجال العلم والعمل مفتوح أمام المرأة كليًا في ظل الإسلام ، وأنّ أي طرح “إسلامي” يمنع المرأة من العمل السياسي أو الاقتصادي هو طرح مخالف لحكم الله . يقول سماحته: «من وجهة نظر الإسلام، مجال النشاط العلمي والاقتصادي والسياسي للمرأة مفتوح تمامًا… إذا حاول أحدٌ حرمان المرأة من العمل العلمي أو الاجتماعي بذريعة رأي إسلامي، فقد خالف حكم الله الصريح» . وفي الوقت نفسه يشدّد على خصوصية دور الأمومة والأسرة؛ فقد دعا مرارًا إلى سن قوانين وسياسات تمكّن المرأة من الجمع بين الدورين دون إجحاف. لذلك نجده يدعو مثلًا إلى تقليل ساعات العمل للنساء الأمهات، وتوفير حضانات في أماكن العمل، وإتاحة فرص العمل عن بعد للنساء لرعاية أطفالهن . كما يوصي المؤسسات الإعلامية بعدم استغلال أنوثة المرأة للإثارة، والتركيز بدل ذلك على إبراز دورها الفكري والأخلاقي . وقد أثمرت سياسات الجمهورية الإسلامية – التي وجّهها الإمام الخامنئي – عن نتائج لافتة: فالمرأة الإيرانية اليوم هي الأكثر تعليمًا في تاريخ إيران؛ وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 60% من طلاب الجامعات في إيران نساء ، وتفوقن عددًا على الرجال في العديد من التخصصات العلمية والهندسية . هذه القفزة أُنجزت دون التخلي عن الحجاب الإسلامي أو المبادئ الشرعية، مما يدل على إمكانية تمكين المرأة علميًا ومهنيًا في إطار إسلامي محافظ. كما ذكر الإمام الخامنئي بفخر أنه لأول مرة في تاريخ البلاد يتوفر هذا العدد الكبير من النساء المتعلمات والمثقفات والكاتبات والباحثات بفضل الثورة الإسلامية . إذا، خلاصته: الإمام الخامنئي يؤكد على معادلةلا لمنع المرأة من العمل المشروع، وفي الوقت نفسه لا لإهمال أسرتها أو أنوثتها الفطرية. هذه النظرة المتوازنة تعدّ اليوم تيارًا أساسيًا في الفقه الشيعي المعاصر.
  • علماء الخليج عمومًا: يميل بعض علماء الخليج إلى ترجيح تقليل خروج المرأة ما أمكن، مع فتح الاستثناءات المتعارفة في الحاجات الاجتماعية. ويستندون في ذلك إلى روايات الحث على قرار المرأة في بيتها وصون حيائها من خلال عدم رؤية الرجال، مثل حديث منسوب للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: «خيرٌ للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال» كما ذكرناه قبل قليل. هذه الرواية وأمثالها – في نظر كثير من العلماء – ليست نصوصًا إلزامية بقدر ما هي توجيهات أخلاقية، وأنها تعبّر عن حالة مثالية لاستحباب الابتعاد عن مخالطة الأجانب قدر الإمكان صونًا للعفة، لكنها لا تُلغي إباحة مشاركة المرأة الاجتماعية بضوابط. وفسّر الشهيد مرتضى مطهري أيضًا هذه الأحاديث كإرشادات لضمان مجتمع غير مختلط اختلاطًا مفسدًا، وليست أوامر ملزمة بحبس المرأة. لذا نجد بعض المراجع عندما يُسألون في الفتاوى يجيبون بجواز عمل المرأة إن أمنت الفتنة، وإنما يستحب لها التركيز على بيتها قدر الإمكان. فالمسألة عند الجميع تعود إلى دائرة المباح المشروط، لا التحريم المطلق أو الإيجاب.

وفي هذا السياق، صدر مؤخرًا بحث في مجلة حوزوية بإيران، خَلُصَ فيه الباحث إلى نتيجة مهمّة: أنّ فهم بعض العلماء لآية «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» على أنها نهيٌ عام للنساء عن الخروج فهمٌ غير دقيق، لأن الآية خاصة بنساء النبي ﷺ وفيها نهي عن الخروج المتبرّج فقط . لذا لا يصح تعميمها كحكم لكل النساء. وقد أوضحت تلك الدراسة أن النبي ﷺ لم يمنع زوجاته من الخروج إطلاقًا، بل كنَّ يخرجن لحاجاتهن المشروعة. وعليه، التعميم بالمنع المطلق محلّ تأمل فقهي، والأقرب – عند كثير من الفقهاء – هو الإباحة مع الضوابط.

وخلاصة آراء المراجع: لا خلاف على مبدأ الإباحة، والاختلاف في التأكيد على شروط معينة. فالجميع يحضّون المرأة على عدم إهمال بيتها وأولادها، وعلى التزام الحجاب والعفة في أي عمل . والجميع أيضًا يحرّمون أي عمل فيه اختلاط يجرّ إلى الحرام (كخلوة محرّمة أو أجواء إغراء) . أما مجرد الظهور الإعلامي أو الوظيفة العامة فليست ممنوعة بذاتها. بل يرى الإمام الخامنئي – كما نقلنا – أن منع المرأة من ذلك ظلم لها ومخالف للإسلام . وهذا الاتجاه أصبح راسخًا: المرأة شقيقة الرجل في بناء المجتمع، لها أن تساهم في كل المجالات المباحة مثلما للرجل، وعليها مثل الرجل أن توازن بين مسؤولياتها الأسرية وعملها.

ظهور المرأة في الإعلام والفن: التلفزيون ووسائل التواصل

ظهور المرأة عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة يعدّ امتدادًا لمشاركتها الاجتماعية، وله أحكامه وضوابطه الخاصة. وقد أثار هذا الظهور نقاشًا في الأوساط الدينية منذ عقود، خصوصًا مع انتشار التلفزيون والسينما ثم الإنترنت. ونبين هنا الرؤية الفقهية الشيعية بإيجاز في تمثيل المرأة في الأفلام والمسلسلات، وعملها كمذيعة أو مقدّمة في القنوات، وكذلك مشاركتها في إنشاء محتوى مرئي/صوتي عبر المنصات الرقمية:

  • حكم تمثيل المرأة في الأفلام والمسرحيات: كما أسلفنا، يفتي الفقهاء بجواز ذلك إذا انضبطت المشاهد والنصوص ضمن الإطار الشرعي. كبار المراجع الشيعة لا يرون مانعًا في تمثيل المرأة شخصية محترمة أو أداء مشهد تاريخي أو اجتماعي، بشرط: الالتزام بالحجاب الكامل، وعدم وقوع تلامس أو إثارة بين الممثلة وممثل أجنبي. ويضيفون شرطًا مهمًا هو مراعاة المرأة لحيائها وأنوثتها المكرّمة؛ فلا تتلفظ بألفاظ بذيئة ولا تؤدي حركات مبتذلة تنافي العفة. وقد سئل المرجع السيد السيستاني – كما مرّ معنا – عن تمثيل المرأة لدور السيدة زينب مثلًا مع وجود مشاهد تجمعها برجل يمثل دور الإمام الحسين (وهو أخوها ومحرمها في الواقع التاريخي)، فأجاز ذلك بشروط، منها ألا تكون الممثلة في الواقع أجنبية عن الممثل بحيث تضطر للمسه أو للتكلم معه بلحن مريب . واحتاط بعض الفقهاء فقالوا: لو أمكن أن تكون الممثلة زوجة الممثل أو محرمه الحقيقي لتأدية المشاهد الحميمية (كالعناق بين أخ وأخته مثلًا) فهو أولى وأحوط. لكن هذا ليس شرطًا إلزاميًا عند الجميع إذا لم يقع أي محذور. وأما تمثيل مشاهد الحبّ بين رجل وامرأة أجنبيين (كما في الأعمال الدرامية المعاصرة) فهو إشكالي جدًا شرعًا، لأن الغالب تخلّله كلام أو نظرات أو لمس لا يجوز بين الأجانب. لذا نصّ الفقهاء على أنه لا يجوز للمرأة أن تمثّل دورًا يتطلب إبداء مشاعر حب أو ملامسة لرجل أجنبي عنها . وعلى صنّاع الدراما مراعاة هذا بإيجاد بدائل درامية (كالتلميح بدل التصريح، أو الاقتصار على مشاعر زوجية حقيقية بين ممثلة وممثل متزوجين واقعًا وهكذا). من ناحية أخرى، يحرم قطعًا تمثيل المرأة لدور يوجب كشف عورتها أو أجزاء من جسدها الواجب سترها، أو يستدعي قيامها بعمل محرّم (كشرب الخمر أو الرقص الماجن ضمن المشهد)، لأن التمثيل لا يبرر ارتكاب الحرام الحقيقي. وقد شدّد علماء الشيعة خصوصًا على حرمة تمثيل الأدوار المنافية لقدسية المعصومين(كتمثيل دور السيدة الزهراء أو المعصومين أنفسهم)، لكن هذا موضوع آخر خارج نطاق بحثنا. الخلاصة هنا: يجوز للمرأة التمثيل فنّيًا في نفسه، إنما الممنوع هو المحرمات المرافقة له من تبرج وخلوة ولمس وخضوع بالقول وما شابه .
  • عمل المرأة مذيعةً أو مقدّمة برامج في التلفزيون والإذاعة: هذا العمل مباح في الأصل بشرط التزامها بالحجاب الشرعي وعدم الخضوع بالقول. صوت المرأة في نفسه ليس عورة في الفقه الشيعي، لذلك عملها في الإذاعة أو تعليقها الصوتي مباح ما دام المحتوى مشروعًا وطريقة الأداء محتشمة. أما على الشاشة، فالمطلوب أن تلتزم المذيعة بالزي الإسلامي المحتشم وألا تظهر بزينة ملفتة. وقد وجّه الإمام الخامنئي الإعلام الإيراني إلى تجنّب تصوير المرأة بطريقة مبتذلة، فلا تُظهر المخرجاتُ التلفزيونية المرأةَ في قوالب إغراء أو تجعلها أداة لجذب المشاهد عبر الفتنة . قال حفظه الله: «في إعلامنا الإسلامي يجب تعريف دور مغاير للمرأة عن الصورة المزوقة الخادعة… فلا ينبغي استخدام جاذبية المرأة الجنسية للوصول إلى جمهور أوسع، بل التركيز على حيائها وعفّتها ووقارها في الشاشة» . وهذا النهج مطبّق عمومًا في القنوات الدينية والإخبارية الإيرانية؛ حيث ترى المذيعات يظهرن بهيبة وجدية، يقدّمن الأخبار أو الحوارات دون ابتذال. وكذلك الأمر في قنوات شيعية عديدة في العراق ولبنان؛ فظهور المرأة الإعلامية بالحجاب الساتر بات أمرًا مألوفًا ومقبولًا في الوسط المتدين. إذا، عمل المرأة في الإعلام المرئي والمسموع جائز بضوابطه، ويُندب إلى التركيز على مضمون رسالتها لا على أنوثتها. ويُنصح بأن تتولى الإعلامية المسلمة مواضيع هادفة ومناسبة، فمثلًا تقديم برامج الأسرة والصحة والتعليم خير من إقحامها في برامج سطحية أو تنافسية تستدعي منها تنازلات أخلاقية. لكن الأصل الفقهي: لا حرج في عملها كمذيعة أو مقدمة ما دام كلامها ومنظرها ضمن المسموح شرعًا.
  • صناعة المحتوى بالصوت والصورة على الإنترنت: يشمل ذلك أنشطة المرأة في مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو والبث المباشر. وهذا أخذ حيّزًا كبيرًا من النقاش في السنوات الأخيرة، نظرًا لظهور آلاف النساء المسلمات يصنعن محتوى متنوعًا (ديني، علمي، ترفيهي، تجميلي، إلخ) وينشرنه على يوتيوب وإنستغرام وغيرها. حكم هذا النشاط نفس حكم الظهور التلفزيوني: جائز بشرط عدم ارتكاب محرم. فإذا كانت المرأة محجبة وتراعي الكلام المحترم، فلا إشكال في تصوير نفسها ببرنامج تعليمي أو حواري أو حتى ترفيهي غير مبتذل. أما إن كانت تظهر متبرجة أو ترقص وتغني غناءً ماجنًا أو تتكلم بإثارة، فهذا ممنوع قطعًا كأي ظهور علني مشابه. ويضاف هنا بُعدٌ مهم: وهو أن الإنترنت مساحة عامة مختلطة بالكامل، فينبغي للمرأة المسلمة مراعاة المزيد من الحذر. فمن الضوابط مثلًا تجنب إظهار الزينة الصارخة أمام الكاميرا (كالمكياج المبالغ فيه)، وتحاشي الحركات أو الكلمات التي قد تستجلب تعليقات مسيئة أو شهوانية من الجمهور. كما يُنصح أن تحرص المرأة على انتقاء مجال محتواها؛ فليس من اللائق مثلًا – في نظر مجتمعاتنا – أن تقدم امرأة محجبة محتوى عن تمارين الرشاقة بملابس ضيقة وهي تستعرض جسدها، حتى لو كانت تغطي شعرها. بينما لا بأس أن تقدم محتوى عن الطبخ أو الثقافة أو النقد الاجتماعي بأسلوب جاد ومحترم. بمعنى آخر، ينبغي للمرأة مراعاة “المصلحة الاجتماعية” في نوعية مشاركتها الإلكترونية إضافة للمقياس الشرعي. وإذا التزمت ذلك، فهي مأجورة على تسخير التكنولوجيا لنشر ما ينفع الناس. وقد أصبحت بعض الداعيات والمفكرات الشيعيات المؤثرات يستخدمن المنصات الرقمية لإلقاء محاضرات ونشر معارف أهل البيت، وهو عمل عظيم النفع لا شائبة فيه. ويجب التذكير بأن أي محتوى تؤديه المرأة (أو الرجل) يؤاخذ عليه شرعًا إن كان حرامًا في ذاته؛ فالمقاطع الغنائية المحرمة، أو التي تشيع الفاحشة، أو تروج للإلحاد والمنكر – كل ذلك لا يحل للمرأة ولا للرجل إنتاجهأما المباح فلا يمنع منه جنس الشخص؛ فكما يُسمح للرجل بإدارة قناة يوتيوب تعليمية، يجوز للمرأة ذلك، بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا كفائيًا إذا قدمت عبرها محتوى نافعًا يبرز صوت المرأة المسلمة المثقفة في الفضاء الرقمي.

وخلاصة هذه الجزئية: الإسلام لا يمنع “صورة المرأة” أو “صوت المرأة” في الإعلام إلا بقدر ما يمنع صورة أو صوت أي إنسان إن كان في ذلك حرام أو مفسدة. فالمعيار أخلاقي وديني وليس تمييزًا جوهريًا بسبب كونها أنثى. نعم، لتجنب الفتنة أوجب الشرع ستر البدن والصوت الخافت، وهذا مطلوب إعلاميًا كما هو في الواقع. أما أصل المشاركة، فالفيصل فيه المحتوى والالتزام الشرعي، لا جنس صاحب المحتوى.

الضوابط والشروط الشرعية لمشاركة المرأة العامة

انطلاقًا مما سبق تفصيله، يمكن تلخيص الشروط والقيود التي وضعها الإسلام لضمان مشاركة المرأة في العمل والمجتمع بشكل مشروع ومحمودفي النقاط التالية:

  • الالتزام بالحجاب الشرعي الكامل: وهو شرط مجمع عليه. يجب على المرأة ستر كل ما أمر الله بستره عن الرجال الأجانب أثناء العمل أو الظهور العام . فيشمل ذلك اللباس الساتر غير الضيق ولا الشفاف، وترك التبرج والزينة أمام غير المحارم . الحجاب لا يمنع العمل، بل يصونه من الابتذال، لذا أكّد القرآن على وجوب الحجاب عند خروج المرأة: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ . وقد فنّد العلماء شبهة أن الحجاب يعطّل نشاط المرأة، موضحين أنه على العكس يحمي بيئة العمل من الإغراء ويحول دون تسليع المرأة . والحجاب المقصود ليس مجرد غطاء الرأس، بل منظومة وقار تشمل غض البصر والتصرف المحتشم من الطرفين .
  • مراعاة الفصل أو الحدود في أماكن العمل المختلطة: الاختلاط بين الجنسين في نفسه ليس حرامًا إذا انضبطت الحدود الشرعية، لكن بما أن كثرة المخالطة قد تجرّ للتساهل تدريجيًا، ينصح الشرع بالفصل بين الرجال والنساء في بيئة العمل قدر الإمكان . لذا من الأفضل – حيثما أمكن – أن تعمل النساء في أقسام خاصة بهن أو في وظائف لا تتطلب خلوة أو اختلاطًا مباشرًا مطوّلًا مع الرجال. وإذا وُجد اختلاط ضروري فيجب الالتزام بآداب التعامل: كجدية الحديث، وعدم المزاح المريب، وتجنب الخلوة (انفراد رجل بامرأة في غرفة مغلقة) وهي محرّمة شرعًا. وقد دعت أطروحات إسلامية كثيرة إلى توفير بيئات عمل منفصلة للنساء (مدارس وجامعات ومشافٍ خاصة بالنساء مثلًا) حفاظًا على الخصوصية ومنعًا للمفاسد . هذا ليس شرطًا دائمًا لكنه غاية مرغوبة متى تسنّت. أما حين تعمل المرأة في وسط عام، فعليها وعلى زملائها تقوى الله في التعامل، وأن يظل العمل عملًا لا بابًا لمغازلة أو علاقات غير مشروعة (وهو للأسف ما يحصل أحيانًا في البيئات غير المنضبطة).
  • منع الخضوع بالقول والتصنّع المثير: نهى القرآن نساء النبي: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ (الأحزاب: 32) . والخطاب عام لكل مؤمنة تتحدث مع أجنبي؛ فعليها تجنّب اللين الزائد ونبرة الدلال. هذا يعني في التطبيق العملي أن تتحدث المرأة في العمل بنبرة جادة ومحترمة، دون استخدام تعابير أو ضحكات أو حركات تغري الطرف الآخر . صوت المرأة مباح ما لم تتعمّد ترقيقه للإغراء. لذا نسمع فقيهًا معاصرًا يقول: «على المرأة العاملة أن تحافظ على وقارها في حديثها كما في ملبسها، فكما يحرم عليها كشف مفاتن جسدها، يحرم عليها كشف مفاتن أنوثتها في الكلام والضحك». وهذا الأمر من الضوابط الأخلاقية المهمة في الإعلام أيضًا كما ذكرنا؛ فلا يجوز لمذيعة مثلًا أن تتصنع الإغواء في صوتها لجذب المشاهدين، لأن ذلك يفسد رسالتها ويميع شخصيتها.
  • عدم إهمال الواجبات الأسرية والزوجية: اتفق العلماء على أن حق الزوج والأبناء مقدّم شرعًا على عمل المرأة إذا تعارض الأمران. فالزوج له حق الاستمتاع والاهتمام، والأبناء لهم حق التربية والرعاية. يجب التنسيق المحكم لضمان أن ساعات عمل الأم خارج البيت لا تؤدي إلى ضياع أطفالها أو فتور علاقتها الزوجية. كثير من الفقهاء يشترط إذن الزوج في خروج الزوجة للعمل من باب تنظيم الأولويات . وحتى من لا يشترط الإذن الصريح، يؤكد ضرورة موافقة الزوج الضمنية وتفاهمهما حفاظًا على انسجام العائلة . كما أن المرأة مسؤولة أمام الله عن أولادها سواء عملت أم لا، فعليها أن ترتب أوضاعها بحيث تؤدي واجب التربية. إن قصّرت بلا عذر فهي آثمة. لذلك نقول: إن العمل الإضافي للمرأة (خارج مهمتها الأسرية) مشروط بألا يضيع الأساسيات. وتطبيق ذلك عمليًا قد يكون عبر دوام جزئي، أو الاستعانة بحضانة موثوقة في غياب الأم، أو تقسيم العمل المنزلي مع الزوج. المهم ألا يصبح البيت ضحية الطموح المهني. هذا الشرط ليس تقييدًا لحرية المرأة، بل هو ضمان لحقوق الأطفال والأزواج التي لو أهدرت لظهرت المشكلات الاجتماعية .
  • استئذان الزوج في حال خروج الزوجة: هذه مسألة خلافية بعض الشيء. الرأي المشهور فقهياً: يجب على الزوجة استئذان زوجها في الخروج من المنزل إلا للخروج الواجب أو الضروري . وهذا مبني – كما أسلفنا – على حقوق الزواج. لكن العديد من العقود الحديثة تتضمن إذنًا عامًّا يسمح للزوجة بالخروج للعمل أو للزيارة دون إذن خاص في كل مرة. فإذا تضمّن العقد شرطًا كهذا فهو ملزم. أما بدون شرط، فالأحوط للزوجة إخبار زوجها واسترضاؤه عند رغبتها في وظيفة، فإن منعها لأسباب موجّهة (كخوفه على الأطفال مثلًا)، فالأولى التفاهم أو التحكيم العائلي. وينبغي للزوج التقيّد بقاعدة التشاور والمعروف، فلا يسيء استخدام سلطته الشرعية. وقد قال الإمام علي عليه السلام في وصيته: «لا يكن أهلك أشقى الخلق بك»، فلا يصح أن يمنع الزوج زوجته من أمر مباح فيه مصلحة لها أو للأسرة دون مبرر. باختصار: طاعة الزوج في غير معصية واجبة، لكن العمل ليس معصية، فينبغي إيجاد تفاهم يراعي حق الزوج ودافع الزوجة للعمل معًا. كثير من الفقهاء المتأخرين يقيّدون حق المنع من الخروج بحالات خاصة تضر بمصلحة الأسرة . فمثلاً لو كان خروجها للعمل سيؤدي يقينًا إلى إهمال شديد للأبناء أو فتنة، فله منعها درءًا للمفسدة . أما لو لم يوجد مبرر معقول، فلا يصح له الاعتراض تعنتًا. وهذا توجيه أخلاقي مهم لحل الإشكالات العملية.
  • اختيار نوعية العمل المناسبة: فمن الضوابط الشرعية امتناع المرأة عن الأعمال المحرمة أو التي تغلب عليها الأجواء غير الأخلاقية. فمثلًا، عملها في نادٍ ليلي أو في مؤسسة تروّج الفساد محرم من حيث طبيعة العمل. كذلك ترغّب الشريعة أن تختار المرأة مهنة تناسب أنوثتها وطبيعتها الرحيمة. لذا وظائف التدريس والتمريض والرعاية الاجتماعية تكون أنسب عادةً من الأعمال الشاقة كالمناجم أو النزالات العسكرية المباشرة. هذا ليس تحريمًا للعمل الشاق على المرأة، بل نصح وإرشاد. فالفتاوى تجيز للمرأة تولي أي عمل مباح، لكنها بنفس الوقت تشير إلى ضرورة مراعاة الخصوصيات البدنية والنفسية. وقد علق الإمام الخامنئي في خطاب له: «للنساء أن يشاركن في النشاطات جميعها حسب قدرتهن وحاجتهن، لكن بما أن بنيتهن ألطف فلهن بعض القيود» . هذه “القيود” يقصد بها طبيعة بدن المرأة (كعدم تحملها لظروف قاسية جدًا مقارنة بالرجل غالبًا) وليس قيدًا قانونيًا. ومن ذلك مثلاً: تجنّب الأعمال الميدانية التي تعرّضها لخطر الاستغلال أو لا تناسب حشمتها. فوظيفة مضيفة الطيران مثلاً مباحة شرعًا، لكن أجواءها المختلطة في أماكن ضيقة والسفر الطويل ربما يجعلها غير مفضلة إلا للحاجة. وهكذا يجب على المرأة وولي أمرها (أب أو زوج) موازنة المنافع والأضرار الدينية والدنيوية لأي مهنة.

الاعتبارات الاجتماعية والنفسية لمشاركة المرأة

ومن أبلغ الشواهد على الرؤية الإسلامية الإنسانية للمرأة ما ورد في سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام، حيث شدّد في وصاياه العسكرية على تحريم أذى النساء حتى في ظروف الحرب، فقال: «ولا تُهيّجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم». ويُستفاد من هذا التوجيه أن كرامة المرأة مصونة في أصل التشريع الإسلامي، وأن حضورها في المجتمع لا يُنظر إليه باعتباره مصدر خطر، بل كوجود إنساني محترم يجب حمايته، حتى في أشدّ الظروف قسوة. كما تذكر المصادر السِّيرية أنّ امرأةً شكت إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّ زوجها ضربها وأخرجها من بيتها، فنهض معها الإمام بنفسه لرفع الظلم، وأنكر على الرجل فعلَه بشدّة. وهذه الحادثة – بغضّ النظر عن تفاصيل نقلها – تعبّر عن روح السيرة العلوية في التعامل مع المرأة بوصفها صاحبة حقّ ولها حق اللقاء، لا كائنًا يجب إسكات صوته أو حبسه باسم الدين أو العرف.

إلى جانب المنظور الفقهي، من المفيد التطرّق لـرأي علم الاجتماع وعلم النفس في عمل المرأة وخروجها، لتكتمل الصورة بحقائق الحياة. فقد أثبتت دراسات حديثة عديدة فوائد مشاركة المرأة في التنمية على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي، كما رصدت بعض السلبيات الممكنة إن لم تُدار الأمور بشكل جيد. نوجز هنا أبرز الإيجابيات والسلبيات المرتبطة بعمل المرأة، من منظور تجريبي اجتماعي، كما وردت في أطروحات بعض الباحثين:

أولًا: إيجابيات عمل المرأة ومشاركتها خارج البيت:

  • إحساسها بذاتها وإيجابيتها: كثير من النساء العاملات يعبّرن عن شعور بالإنجاز والثقة بالنفس عندما يساهمن في مجال تخصصهن ويطبّقن مهاراتهن. هذا الإحساس بالإنجاز ينعكس إيجابًا على صحتهن النفسية ، ويزيدهن نشاطًا وحيوية في الحياة، مما يفيد الأسرة أيضًا (أم سعيدة واثقة تنشر الطاقة الإيجابية في بيتها).
  • استقلالها المالي وأمانها المستقبلي: المرأة العاملة تؤمّن لنفسها دخلًا، مما يمنحها قدرًا من الاستقلال المالي. هذا مفيد خصوصًا عند كبر السن أو غياب المعيل؛ فالمرأة الموظفة سيكون لها تقاعد أو مدخرات تكفيها، فلا تضطر أن تكون عالة على أبنائها عند الشيخوخة . لقد لوحظ أن كثيرات ممن لم يعملن طوال حياتهن يقعن في ضيق مادي أو ابتزاز عاطفي في الكبر من قبل بعض الأبناء أو الأقارب، بينما المرأة التي كانت تعمل تحافظ على كرامتها بامتلاكها موردًا خاصًا .
  • اكتساب المعرفة والخبرة الاجتماعية: خروج المرأة واحتكاكها بالعالم الخارجي يوسّع مداركها ويزيد خبرتها في التعامل مع الناس . هي تتعلم مهارات حل المشكلات والتفاوض وإدارة الوقت، وتطلع على مستجدات المجتمع. وهذا ينعكس حتى على تربية أولادها؛ فالأم العاملة المطلعة قد تربي أبناءها على فهم أوسع للحياة مقارنة بمن انعزلت طويلًا . كثير من الأمهات غير العاملات يفتقرن للتجديد في أساليب التربية لعدم احتكاكهن بما يجري خارج إطار الأسرة الصغيرة. أما الأم العاملة فتتبادل الخبرات مع زميلاتها ومع بيئة العمل وتتعلم ما يفيد عائلتها.
  • المساهمة في التنمية وخدمة المجتمع: لا شك أن في عمل النساء استثمارًا لنصف طاقات المجتمع بدل هدرها. فقد برزت نساء متفوّقات في الطب والعلوم والتعليم نفعن المجتمع ككل. الاقتصاد أيضًا ينتعش عندما ينضم العنصر النسائي إلى سوق العمل بضوابط سليمة، إذ تزيد الإنتاجية وترتفع مداخيل الأسر وتتحسن جودة الحياة. ولدينا نماذج مشرّفة: الطبيبات والممرضات والمعلمات المحجبات اللواتي أصبحن عمادًا للخدمات الصحية والتعليمية في بلداننا، مساهماتٍ في نهضة مجتمعاتهن مع حفاظهن على هويتهن الإسلامية. كذلك أثبتت المرأة جدارتها في الإدارة والتنظيم؛ فكثيرًا ما تمتاز بالدقة والصبر والقدرة على multitasking (تعدّد المهام)، ما يجعلها عنصرًا قيّمًا في مواقع العمل. وقد أورد أحد رواد الأعمال (الحاج حسن آقاجاني) تجربة طريفة قال فيها إنه نصح تاجرًا بتوظيف امرأة ملتزمة في محله بدل بعض الموظفين الذكور، فكانت النتيجة تحسنًا كبيرًا في انضباطية وسلوك بقية الموظفين واحترامهم للنظام . وعلّق أن وجود المرأة المحترمة يضفي جوًا من الجدية والرقي في المؤسسة، ويدفع الرجال تلقائيًا للانضباط وأخذ الأمور بجدية أكبر . وهذه ملاحظة يؤيدها علم الاجتماع الحديث فيما يتعلق بأثر التنوع الجندري في فرق العمل على رفع الأداء.

ثانيًا: سلبيات محتملة أو تحديات لعمل المرأة (تحدث غالبًا عند غياب الدعم والتنظيم المناسب):

  • الإجهاد البدني والنفسي: لا شك أن جمع المرأة بين وظيفتها خارجًا ومسؤولياتها في البيت يسبب ضغطًا مضاعفًا. كثير من النساء العاملات يعانين من الإرهاق المزمن بسبب بذلهن الطاقة في العمل ثم العودة للعناية بالمنزل والأبناء . هذا الإجهاد إن لم يُدار قد يؤدي إلى مشكلات صحية ونفسية (كالقلق أو الاحتراق النفسي). هنا تبرز الحاجة لتخفيف الأعباء عنها (عن طريق توزيع أعمال البيت مثلًا أو تقليل ساعات العمل). لكن الواقع أن بعض الرجال لا يتعاونون في المنزل إطلاقًا، فيقع العبء كله على المرأة ، فتعمل خارجًا وداخلًا دون راحة كافية. هذه المشكلة هي أساس كثير من الشكاوى الزوجية حاليًا.
  • تقصيرٌ محتمل في حق الزوج والأبناء: بسبب ضيق الوقت وكثرة الالتزامات، قد لا تستطيع المرأة العاملة منح الزوج الاهتمام الكافي أو متابعة تفاصيل الأبناء اليومية . مثلاً، أطفال الأم العاملة قد يعودون من المدرسة قبل رجوعها، فيقضون وقتًا أطول مع الخادمة أو في الحضانة، مما يؤثر على تنشئتهم إن لم يُعوض بنوعية وقت جيدة مع الأم لاحقًا. وكذلك الزوج يعود مرهقًا فتكون الزوجة مرهقة أكثر، فلا يبقى مجال للحوار أو العناية بالعلاقة الزوجية. هذه ليست نتائج حتمية لكل حالة عمل، لكنها أمور واقعية رُصدت كثيرًا. والحل ليس في منع العمل مطلقًا، بل في خلق توازن: ربما عبر عمل جزئي، أو إجازات أمومة مدفوعة، أو مساعدة الزوج، أو وجود الجدّات… إلخ. لكن إن غاب كل ذلك، فالتضحية تحصل في أحد الجانبين غالبًا.
  • تقليل معدل المواليد وتأخر سن الزواج: يلاحظ اجتماعيًا (خاصة في الغرب وبعض دول المسلمين المدنية) أن انخراط النساء في سوق العمل أدى إلى تأجيل كثيرات منهن للزواج والإنجاب رغبةً في تحقيق الذات المهني أولًا. هذا التأجيل ساهم في انخفاض معدلات المواليد وارتفاع سن الأمومة. طبعًا، الإسلام يشجع على المسارعة للزواج والإنجاب مع عدم إهمال التعلم والعمل، لكن الثقافة المادية السائدة أحيانًا تدفع النساء لتأخير هذه المشاريع الأسرية. هنا ينبغي التنبه ألا يتحول عمل المرأة إلى عقبة تمنع تكوين الأسرة، بل يخطَّط له بالتوازي. فمثلًا يمكن للفتاة إكمال دراستها أو بدايات عملها ثم الزواج دون انتظار طويل، ويمكن للأسرة الجديدة التفاهم على متابعة الزوجة لعملها بتنظيم مناسب. التحدي هو تغيير العقليات التي تعتبر الزواج عائقًا للنجاح المهني – لدى الجنسين – وهذه عقليات دخيلة لا يقرها ديننا الذي يرى الأسرة والعمل صنوان متكاملان لا متعارضان.
  • احتمال ظهور مشاكل عاطفية إذا أُهمل الزوج: أظهرت بعض الدراسات أن الأزواج الذين تعمل زوجاتهم بدوام كامل يعانون أحيانًا من الشعور بالإهمال العاطفي إذا لم تبذل الزوجة جهدًا لتعويض غيابها. وفي المقابل، بعض الرجال قد لا يتفهمون ضغوط عمل الزوجة، فينشأ التوتر. هذه المشكلات ليست حتمية، لكنها تحتاج وعيًا من الطرفين. فالرجل الداعم يخفف الأعباء عن زوجته العاملة فلا تشعر هي بالإحباط ولا هو بالإهمال. والمراوحة بين الأدوار صعبة بدون تفاهم عميق.
  • إمكانية التعرّض للتحرش أو الاستغلال: هذه قضية موجودة عالميًا، وتواجهها النساء العاملات في بعض البيئات غير المنضبطة أخلاقيًا. إن عدم التزام الزملاء أو أرباب العمل بالدين قد يجعل المرأة عرضة لكلام بذيء أو تحرّش، خاصةً إن كانت قليلة الخبرة أو محتاجة للمال بشدة. ولهذا يؤكد الإسلام على البيئة المنضبطة والفصل قدر الإمكان . وعلى المرأة المسلمة إن ابتُليت بمكان عمل كذلك أن لا تصمت؛ بل تطالب بحقها في الحماية أو تغير عملها.

كما أن تغيّر نمط الحياة والتقنية الحديثة غيّر عمليًا صورة “العمل المنزلي” مقارنةً بالمجتمعات القديمة؛ إذ كانت كثير من أعباء البيت فيما مضى (الخبز، الغزل، إعداد المواد من الصفر، جلب الماء… إلخ) تستغرق وقتًا وجهدًا يوميّين، بينما خففت التقنية المعاصرة جانبًا واسعًا من ذلك. وهذا لا ينسف قيمة البيت، لكنه يفرض على المجتمعات أن تطوّر “نموذج التوازن” بدل أن تُنتج نموذجًا واحدًا جامدًا لا يراعي تغير الوقائع.

هذه بعض الجوانب الاجتماعية. ومن المناسب الإشارة إلى دراسات ميدانية في المجتمعات الإسلامية تظهر أن الأسرة المسلمة المتديّنة قادرة غالبًا على تجاوز سلبيات عمل المرأة عبر التعاون العائلي. فمثلًا، في إيران ارتفعت نسبة النساء المتعلمات والعاملات بشكل هائل بعد الثورة ، لكن بالتوازي تم إنشاء منظومات دعم: حضانات في كل دائرة حكومية، إجازات أمومة طويلة (6 أشهر إلى سنة مدفوعة)، تشجيع نظام العمل المرن للنساء، قوانين لحماية الأم العاملة (مثلاً منع تشغيلهن في الليل أو الأعمال الخطرة)، وكذلك تعزيز ثقافة “الأب الشريك” الذي يساعد زوجته. كل ذلك قلل كثيرًا من الآثار السلبية وساعد المرأة على الإسهام في المجتمع دون تفكيك الأسرة. ولذا نرى المجتمع الإيراني مثلًا لم ينهر من خروج النساء، بل ازدادت نسبة المتزوجات المتعلمات وارتفع معدل الوعي لدى الأبناء، رغم بعض التحديات بالطبع. فالعبرة إذًا بالسياسات المصاحبة لعمل المرأة، فإن وُجد الدعم والتفهّم، كانت النتائج إيجابية بالغالب.

حلول عملية لتحقيق التوازن بين دور المرأة في البيت والعمل

بعد استعراض الآراء الشرعية والإشكالات الواقعية، يبرز سؤال: كيف نوازن بحيث نحفظ كيان الأسرة ونسمح للمرأة بالرقي العلمي والعملي؟. لقد قدّم الباحثون والناشطون الاجتماعيون عدة حلول ورؤى لتسهيل مشاركة المرأة في سوق العمل مع تقليل السلبيات . نذكر أهمها على شكل نقاط عملية يمكن للمجتمع وأرباب العمل والأسر الأخذ بها :

  • التوسع في فرص العمل الجزئي والمرن: توفير وظائف بنظام دوام جزئي أو ساعات عمل مرنة للنساء، خصوصًا الأمهات. هذا يتيح لها التوفيق بين عملها وواجباتها المنزلية دون إنهاك شديد . مثلًا، العمل 4 ساعات بدل 8، أو ثلاثة أيام في الأسبوع بدل خمسة. كذلك المرونة في مواعيد الحضور والانصراف (لتتمكن من إيصال أطفالها للمدرسة مثلًا). هذه الأنماط مطبقة بنجاح في العديد من الدول.
  • تشجيع العمل من المنزل (Telework): التقنية الحديثة جعلت كثيرًا من الوظائف قابلة للإنجاز عن بُعد. ينبغي إعطاء أولوية للنساء (خاصة الأمهات) في خيار العمل عن بُعد إذا كانت طبيعة عملهن تسمح . فمثلاً، المحاسبة، البرمجة، الترجمة، إدارة المحتوى.. كلها يمكن تأديتها من البيت، مما يحقق فائدة مزدوجة: رعاية الأطفال + الإنتاج المهني. وقد سرّعت جائحة كورونا عالميًا من تقبل هذا النمط، فيمكن استثماره لدعم الأم العاملة المسلمة.
  • خلق بيئات عمل منفصلة أو آمنة أخلاقيًا: على مستوى التخطيط المجتمعي، يستحسن تفصيل أماكن عمل خاصة للنساء أينما أمكن ذلك . كأن تكون هناك مدارس ومستشفيات ومصانع كلها نسائية أو على الأقل أقسام نسائية مستقلة في المؤسسات الكبيرة. هذا يقضي على معظم إشكالات الاختلاط والتحرش، ويجعل المرأة تعمل براحة وتركيز أكبر. وإذا تعذر الفصل الكامل، فينبغي ضمان حد أدنى من الخصوصية (مثلا مكاتب منفصلة، عدم إجبارها على اجتماعات وسفرات مختلطة دون ضرورة، إلخ).
  • تنمية قطاع المشاريع المنزلية والمحليةالعمل من المنزل (Home-based businesses) خيار ممتاز لكثير من النساء اللواتي يفضّلن كسب الرزق دون مغادرة بيتها. يمكن للمجتمع تشجيع ذلك عبر التدريب ومنح القروض الميسّرة للمشاريع الصغيرة التي تديرها نساء من منازلهن . مثل مشاغل الخياطة، الطبخ المنزلي، التصميم عبر الانترنت، بيع المنتجات أونلاين… إلخ. هذه الأنشطة تتيح لها مرونة وحضورًا أسريًا دائمًا.
  • ترشيد الاستهلاك المادي ونبذ الثقافة الاستهلاكية: من الأسباب التي تدفع بعض النساء للعمل ضغط المتطلبات المالية للأسرة، خاصة مع انتشار أنماط الحياة الفاخرة. هنا تأتي نصيحة الإسلام بـالقناعة والاعتدال في الإنفاق . فلو خفف الزوجان من المصروفات الكمالية، قد لا تحتاج الزوجة للعمل لسد عجز المال. وبالتالي تعمل فقط إذا أحبت ذلك، لا تحت ضغط الديون والرفاهيات الزائدة. العودة إلى ثقافة البساطة الإسلامية تخفف العبء عن كاهل الجميع . فلا تضطر المرأة للشقاء خارجًا فقط لتوفير كماليات يمكن الاستغناء عنها.
  • تقاسم مسؤوليات البيت بين أفراد الأسرة: من الحلول الجوهرية أن يسهم الزوج – بل والأبناء الكبار – في أعمال المنزل وتربية الصغار. تقسيم العمل المنزلي ليس انتقاصًا من رجولة الزوج، بل هو مقتضى المودة والرحمة. حين يتشارك الجميع في الطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال، لن يُثقل كاهل المرأة سواء كانت عاملة أم لا . ونجد في سيرة النبي ﷺ أنه كان في مهنة أهله، يساعدهم في شؤون البيت، وقدوتنا علي وفاطمة عليهما السلام تقاسما العمل بإشراف الرسول ﷺ . إحياء هذه السنة يحقق التوازن المطلوب.
  • سياسات حكومية وتشريعية مساندة: على مستوى الدولة، سنّ القوانين التي تدعم المرأة العاملة: كإجازات وضع مدفوعة طويلة، ساعات رضاعة خلال الدوام، حضانات مدعومة في أماكن العمل، منع الفصل التعسفي بسبب الأمومة، تخفيض سن التقاعد للنساء.. إلخ. هذه السياسات مطبقة في إيران مثلًا، وأسهمت في تمكين المرأة دون أن تدفعها لترك الأمومة. أيضًا إيجاد مراكز إرشاد أسري لحل الخلافات التي قد تنشأ بسبب عمل الزوجة.

بتطبيق هذه الحلول وغيرها، يمكننا تحقيق المعادلة الرابحة: أسرة مستقرة تخرج منها امرأة فاعلة تساهم في ازدهار مجتمعها، دون أن تُضيّع بيتها. وكما قال أحد المفكرين: “المجتمع السليم هو الذي تستطيع فيه المرأة أن تختار، فتكون أمًا عظيمة وطبيبة ناجحة في آنٍ معًا” – وهذا ممكن ومتحقق في النماذج الإسلامية عندما تتضافر جهود الأسرة والدولة والمجتمع المدني.

خاتمة

بعد هذه الجولة الواسعة في الأدلة الشرعية والآراء الفقهية والمعطيات الواقعية، تتضح لنا صورة مدققة: الإسلام (وفق رؤية فقهاء الشيعة) لا يمنع المرأة من الخروج والعمل والظهور في المجال العام، بل يشجّعها على ذلك ضمن إطار العفة والحياء ورعاية الأولويات . لقد أثبتت التجربة في مجتمعاتنا – لاسيما في العقود الأخيرة – أنّ المرأة المسلمة قادرة على أن تكون عنصرًا فعّالًا في كل الميادين: في الجامعة، في المستشفى، في البرلمان، في الإعلام، وفي ساحات الجهاد أيضًا عندما تدعو الحاجة، دون أن تتخلى عن إيمانها وقيمها.

وفي المقابل، يبقى بيت المرأة وأسرتها مسؤوليتها الأولى المقدسة التي لا يجوز التفريط بها . فنجاحها خارج البيت لا معنى له إن كان ثمنه انهيار أسرتها أو ضياع أبنائها. من هنا نادى العلماء بـضرورة الموازنة الحكيمة، فلم يرضوا بحبس المرأة وكبت طاقاتها، ولم يقبلوا أيضًا بانسلاخها من هويتها ومسؤولياتها تحت شعار الحرية. النظرة الإسلامية الشيعية الرصينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة: تصون حياء المرأة وكرامتهاوتقدّر دورها الفطري كأم ومربّية، وفي الوقت نفسه تفتح لها أبواب العلم والعمل وخدمة المجتمع مثل الرجل تمامًا . وقد لخص الإمام الخامنئي هذه الرؤية بقوله: «مجال النشاطات العلميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة مفتوح للمرأة كما الرجل… تستطيع أن تشارك قدر استطاعتها وحاجتها، والشرع ليس ضد ذلك. نعم عليها مراعاة بعض الخصوصيات الأنثوية التي هي كمالٌ لها وليست حِملاً عليها» .

إنّ تكامل المرأة والرجل معًا هو الذي يبني أسرة سعيدة ومجتمعًا قويًا. وحين يُدرك الجميع هذه الحقيقة تسقط تلك النظرة التي ترى أحدهما نقيضًا للآخر في الدور والميدان. فالبيت مملكة المرأة تؤدي فيه أعظم رسالة، والمجتمع ساحتها الأوسع تؤدي فيه رسالة أخرى مكملة. وكل محاولة لحرمانها أحد الميدانين هي إجحاف بحقها وبحق الأمة. وقد بيّن الباحثون أنّ كثيرًا من الآيات والروايات التي تُفهم خطأً على أنها دعوة لانزواء المرأة إنما أرادت حثها على التحلّي بالعفة والوقار عندما تنشط في المجتمع ، ولم تهدف إلى قتل مواهبها أو منع عطائها . فالمرأة في منظور أهل البيت عليها السلام شريكة في مشروع بناء الحضارة. وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام لم تكن امرأة خاملة في زاوية بيت؛ بل كانت عالمةً فقيهةً وشخصية سياسية أدّت خطبة تاريخية مطالبة بحقها في فدك وداعيةً لإحقاق الحق . وكذلك السيدة زينب سلام الله عليها، كانت خطيبة الثورة الحسينية التي زلزلت عرش يزيد، ولولا جهادها الإعلامي لضلّ كثيرٌ من الناس. فكيف يمكن بعد ذلك الادعاء أن الإسلام يريد المرأة منعزلة ضعيفة؟ على العكس، الإسلام يريدها حصن الفضيلة في الداخل وراعية الفضيلة في الخارج.

وفي الختام، يمكن القول بثقة إن مشاركة المرأة الشيعية اليوم في النهضة العلمية والاجتماعية هي ضرورة وحقيقة، مع التزامها بثوابتها الدينية. والتحدي أمام مجتمعاتنا هو إزالة العقبات الثقافية المصطنعة التي تقف في وجه ذلك، من تحجّر أو تقليد أعمى، ووضع آليات دعم حقيقية تحقق للمرأة التوازن المنشود. عندها سنرى ازدهارًا أكبر: أسر متماسكة، ونساء مثقفات عاملات، وأجيالًا تنهل من عطاء الأم المدرسة والأم الطبيبة والأم المربية في آنٍ واحد. تلك هي الصورة الزهرائية الزينبية التي نطمح إليها، والتي تجمع بين قداسة الأمومة وعظمة الرسالية الاجتماعية. والله ولي التوفيق.

المصادر: اعتمدت هذه الدراسة على جملة من المصادر المتخصصة، أبرزها موقع إسلام كويست ، ومقالات الشهيد مرتضى مطهري ، وأبحاث مجلة صفير حيات ، وتوجيهات الإمام الخامنئي ، وتقارير طهران تايمز الإحصائية ، وفتاوى السيد السيستاني ، وغيرها مما أُشير إليه ضمن السياق. نسأل الله أن يكون في هذا الطرح العلمائي الموضوعي نفعٌ للمؤمنين والمؤمنات، وهدايةٌ للباحثين عن الحق والإنصاف. والله من وراء القصد.

0 تعليق

إرسال تعليق

محمد درويش

طالب علم في العلوم الحوزوية، حاصل على درجة الماجيستير في التصميم البصري، ويكمل حاليًا دراسته للبحث الخارج في الحوزة العلمية بقم المقدسة.

لديه خبرة في المجالات الإعلامية والترجمة، حيث عمل في هذه المجالات لعدة سنوات. كما أنه شارك في العديد من الدورات التدريبية الإسلامية في مجالات التربية، والأسرة، والإدارة.

مؤسس ومدير مركز البصيرة، الذي يهدف إلى نشر المعرفة والثقافة الإسلامية، وتقديم رحلات معرفية متنوعة في هذا المجال، سعيًا لخدمة المجتمع وتلبية احتياجاته الثقافية والدينية.

يسعى لتوظيف معرفته ومهاراته المكتسبة في خدمة المجتمع، والمساهمة في تطوير مجاله. ملتزم في عمله، ولديه اهتمام بالتعلم والتطور المستمر.

بحكم خلفيته الأكاديمية في التصميم البصري والدراسات الإسلامية، يسعى لتحقيق التوازن بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، ويأمل أن يقدم مساهمات تخدم المجتمع الإسلامي.

تاريخ النشر

26/11/2025