جدول المحتويات
- مقدمة
- مفهوم ولاية الفقيه المطلقة باختصار
- تطور طرح ولاية الفقيه في التراث الإمامي (عرض تاريخي)
- عصر الغيبة الكبرى وما بعدها (القرون 4-5هـ/10-11م)
- الفترة الوسطى (القرون 6-8هـ/12-14م)
- العصر الصفوي (القرن 10-11هـ/16-17م): بلورة النظرية في إطار الدولة
- القرنان الثاني عشر والثالث عشر هجري (18م– منتصف 19م): تكامل الأدلة العقليّة والنصّية
- أوائل القرن الرابع عشر الهجري (أواخر 19م – أوائل 20م): بين المشروطة والثورة
- العصر الحديث (منتصف القرن 20م – الوقت الحاضر): إقامة النظرية وتحدياتها
- الرد على الانتقادات
- قِدَم نظرية ولاية الفقيه وعدم كونها مستحدثة
- شواهد الشهرة من نصوص الفقهاء عبر العصور
- موقف كبار العلماء (كالمفيد والطوسي) والرد على الزعم بعدم تبنّيهم الولاية العامة
- تفسير المؤيدين للولاية المطلقة لأقوال العلماء الذين ظُنّ عدم قبولهم بها
- مناقشة أبرز الاعتراضات الحديثة
- تحليل منهج المنكرين لشهرة الولاية المطلقة ونقده منهجيًا
مقدمة
تُشير نظرية ولاية الفقيه المطلقة إلى إعطاء الفقيه الجامع لشرائط الاجتهاد والعدالة ولايةً عامةً على المجتمع في عصر غيبة الإمام المعصوم، بحيث يتولى جميع الصلاحيات التي كانت للإمام من الحكم وإدارة شؤون الأمة. وبعبارة أخرى، يكون للفقيه النيابة العامة عن الإمام في كل ما للإمام من ولاية، إلا ما خرج بالدليل الخاص. وقد طُرحت هذه النظرية بوضوح في الفكر الشيعي الحديث من خلال الإمام الخميني وغيره، حتى اعتُمدت في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران تحت مسمّى ولاية الفقيه المطلقة. ويُثار في الأوساط العلمية السؤال حول مدى شيوع هذا الرأي تاريخيًا بين فقهاء الإمامية؛ هل هو مجرد اجتهاد متأخر وخاص ببعض العلماء، أم أنه يمثّل الاتجاه الغالب والمشهور لديهم عبر العصور؟
تهدف هذه الدراسة إلى تتبّع الاستدلالات والنصوص التي قدمها كبار فقهاء الإمامية منذ بداية الغيبة الكبرى (329هـ/941م) وحتى العصر الحاضر، والتي استُدلّ بها لإثبات أن ولاية الفقيه العامة أو المطلقة ليست رأيًا شاذًا، بل هي مبنى مشهور أو غالب بين العلماء. سنعرض ذلك بصورة تاريخية متسلسلة، مع توثيق الأقوال من المصادر الفقهية والأصولية الأصلية. كما سنتطرق إلى أهم الاعتراضات والنقد الذي وجهه بعض العلماء لهذه النظرية أو لادعاء شهرتها، سواء لأصل الولاية المطلقة للفقيه أو مشككين في كونها الرأي السائد. وسيتم العرض بصورة تقرير علمي منظم العناوين، مع استخدام قوائم وجداول عند الحاجة لتوضيح المواقف أو تصنيف الآراء.
مفهوم ولاية الفقيه المطلقة باختصار
يشير مصطلح الولاية المطلقة للفقيه إلى شمول سلطة الفقيه العادل لجميع شؤون الحكم والإدارة التي تخص المجتمع والدولة في عصر الغيبة، دون انحصار دوره في الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية المحدودة. ويعبَّر عنها أحيانًا بـ”الولاية العامة”. يعتقد أنصار هذه النظرية أن الأدلة الشرعية – من نصوص المعصومين (ع) وبناء العقلاء – تفيد بأن الفقهاء العدول نوّاب عامّون للإمام المهدي في غيبته، فيكون لهم ما للإمام من سلطة إقامة الحدود وتولي القضاء وقيادة الأمة وغير ذلك . وقد عبّر الإمام الخميني عن بداهة هذه الفكرة بقوله: “ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب تصورها التصديق بها، فهي لا تحتاج إلى برهنة” ، مشيرًا إلى أن من يفهم المنظومة الفكرية للإسلام يدرك لزوم وجود سلطة شرعية يقودها الفقيه في غيبة الإمام.
مع ذلك، يفرّق الفقهاء بين الولاية في الأمور الحسبية والقضاء والإفتاء – وهي سلطات متفق على ثبوتها للفقيه عند الإمامية – وبين الولاية السياسية المطلقة التي تشمل إدارة الحكم وقيادة الدولة. فالجميع يسلّمون بولاية الفقيه في التصدي للأمور الضرورية التي لا ينبغي أن تُترك (كحماية أموال اليتامى والغُيَّب والقضاء بين الناس وأخذ الحقوق الشرعية)، ولكن موضع الخلاف: هل تمتد هذه الولاية لتشمل كل صلاحيات الإمام المعصوم بما فيها الحكم السياسي العام؟ أنصار الولاية المطلقة يقولون نعم، استنادًا إلى أدلة شرعية وعقلية عديدة، ويزعمون أن أكثرية فقهاء الشيعة قالوا بذلك عبر التاريخ. في المقابل، يُنكر آخرون ذلك أو يحصرون دور الفقيه في حدود أضيق، بل ويرون أن نظرية ولاية الفقيه السياسية ظهرت متأخرًا ولم تحظَ بإجماع القدماء. فيما يلي عرض تاريخي لهذه المواقف مدعّم بالنصوص.
تطور طرح ولاية الفقيه في التراث الإمامي (عرض تاريخي)
عصر الغيبة الكبرى وما بعدها (القرون 4-5هـ/10-11م)
في القرون الأولى للغيبة (الرابع والخامس الهجري) انصبّ اهتمام فقهاء الشيعة على تنظيم شؤون المجتمع الدينية ضمن إطار غيبة الإمام وانتظار ظهوره. وقد ساد الاعتقاد بأن الخلافة الإلهية محصورة بالأئمة المعصومين المنصوص عليهم ، فكان موقف الشيعة العام هو العزوف عن الاعتراف بشرعية الحكّام الظالمين (الخلفاء والسلاطين من غير أهل البيت) ومقاومة الانخراط في سلطتهم إلا في حالات الضرورة والتقية . ضمن هذا الجو، ركّز الفقهاء على بيان أحكام الولاية الخاصة (أي ما يصدر عن الإمام أو نائبه الخاص) أكثر من بحث نظرية ولاية الفقيه العامة كطرح مستقل. ومع ذلك نجد في مؤلفات بعض المتقدمين إشارات واضحة إلى نيابة الفقهاء عن الإمام في بعض الشؤون:
- الشيخ المفيد (ت 413هـ): من أوائل من تحدثوا عن دور الفقيه في غيبة الإمام. يقول في كتاب المقنعة: “أما إقامة الحدود فهي إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد (ص)، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان…” . كما صرّح المفيد في باب الوصية بأنه عند فقدان السلطان العادل (الإمام المعصوم) يتولى أمورَ الناس فقهاءُ أهل الحق العدول ذوو الرأي والفضل ، أي أنهم يقومون مقام الإمام العادل فيما يتعلّق بالولاية على شؤون المجتمع. وفي موضع آخر يضيف الشيخ المفيد بأن الفقيه العادل إذا تمكن من تولي إمرةٍ بتفويض من حاكم ظالم فهو في الحقيقة أمير من قبل صاحب الأمر (الإمام الغائب) الذي سوَّغ له ذلك ، أما المتغلّب الظالم فليس له أي مشروعية. هذه النصوص تدل أن المفيد اعتقد بوجود نوع من الإذن أو التفويض من الأئمة للفقهاء العدول في إقامة الحكم والحدود عند الضرورة، مما يُعتبر بذرة نظرية النيابة العامة.
- أبو الصلاح الحلبي (ت 447هـ): ذكر في كتابه الكافي كلامًا صريحًا في أن الفقيه الجامع للشرائط هو نائب الإمام في الحكم. بعد أن عدّد شروط من ينوب عن الإمام في القضاء، قال: “فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أُذِن له في تَقَلُّدِ الحكم وإن كان مُقَلِّدُه ظالمًا مُتغلِّبًا… فهو نائب عن ولي الأمر (ع) في الحكم… وإخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم إليه وحمل الحقوق إليه، والتمكين من أنفسهم لإقامة الحد والتعزير الذي تعيَّن عليهم… فمن رَغِبَ عنه ولم يقبل حكمه فقد رَغِبَ عن دين الله وردَّ حكمَه سبحانه” . يُظهر هذا النص أن أبا الصلاح يرى الفقيه الجامع للشرائط منصوبًا من الأئمة ضمنًا لتولّي القضاء وسائر المصالح العامة، حتى لو لم تُسنِده السلطة الرسمية؛ بل يوجب على الناس الرجوع إليه في الخصومات والحقوق وتنفيذ أحكامه الشرعية، ويعدُّ الإعراض عن حكمه خروجًا عن حكم الله. وهذا تأكيد مبكر على فكرة الولاية العامة في شؤون القضاء والأمر بالمعروف.
- الشيخ الطوسي (ت 460هـ): وإن كان تركيزه أقل وضوحًا على ولاية الفقهاء السياسية، لكن يُنقل عنه في الخلاف قوله حول منصب الحاكم الشرعي: “الحاكم منصوبٌ لاستيفاء الحقوق وحفظها وترك تضييعها” . يفهم منه أن حاكم الشرع (الفقيه القاضي) له ولاية حفظ الحقوق العامة ومنع ضياعها، وهي ولاية مستمدة من نصب الإمام أو نائبه.
- ابن إدريس الحلي (ت 598هـ): عُرف بمواقفه الجرئية في نقد من سبقه، لكنه وافق الشيخ المفيد في مسألة ولاية الفقيه. علّق على كلام المفيد المذكور آنفًا فقال: “الذي يقتضيه المذهب أنه إذا لم يكن سلطان (إمام معصوم) يتولى ذلك، فالأمر فيه إلى فقهاء شيعته (ع) من ذوي الرأي والصلاح، فإنهم (ع) قد ولّوهم هذه الأمور. فلا يجوز لمن ليس بفقيه تولّي ذلك بحال؛ فإن تولاه لم يمضِ شيء مما يفعله… فأما إن تولاّه الفقيه فما يفعله صحيحٌ جائزٌ ماضٍ” . هذا النص توكيد قوي بأن الفقيه هو الوالي الشرعي عند غياب الإمام، وأن تصرفاته في شؤون الأمة نافذة، بينما لا شرعية لتصرف غير الفقيه. ينص ابن إدريس صراحةً: “قد ولّاهم (الأئمة) هذه الأمور”، وهي عبارة تدل على تبني نظرية النيابة العامة للفقهاء في عصر الغيبة.
يمكن القول إن هؤلاء الأعلام في القرون الأولى رسموا الإطار العام لفكرة نيابة الفقيه: فالإمام المعصوم هو السلطان المنصوب إلهيًا، وهو إمام الأصل، لكن عند غيابه يُنتدب الفقيه العادل لحفظ النظام وإقامة القضاء والحدود ورعاية مصالح الناس بالقدر الممكن . ولم يكن طرح ولاية سياسية شاملة للفقهاء أمرًا مفصّلاً لديهم؛ ربما لأسباب عمليّة تتعلق بضعف الشيعة واضطهادهم آنذاك . ومع ذلك، وضع أولئك الفقهاء الأساس النظري الذي يُستند إليه لاحقًا في القول بأن للفقيه ولاية عامة فيما للإمام ولاية فيه.
الفترة الوسطى (القرون 6-8هـ/12-14م)
مع مرور الزمن، واصَلَ فقهاء الشيعة التأكيد على دور الفقيه النائب في مجالات القضاء والحسبة، وصار ذلك أشبه بالمسلمات الفقهية. ونجد توسعًا تدريجيًا في تناول مفهوم ولاية الفقيه في كلمات العلماء خلال القرن السابع والثامن الهجري:
- المحقق الحلي (نجم الدين جعفر، ت 676هـ): نصّ في شرائع الإسلام على أن الحاكم الشرعي (الفقيه) منصوص لخدمة المصالح: في مسألة اللقطة مثلًا قال: “يسلمها إلى الحاكم، لأنه منصوب للمصالح” . هذه العبارة على اختصارها تؤكد مفهوم نصب الحاكم (الفقيه) لرعاية المصالح العامة.
- العلاّمة الحلي (الحسن ابن المطهر، ت 726هـ): تناول مسألة سلطة الفقيه في مواضع متعددة من كتبه. في تذكرة الفقهاء قال عن زكاة الفطرة: “يُستحب صرفها إلى الإمام (ع) أو نائبه لأنه أعرف بمواقعها. فإن تعذر صرفت إلى الفقيه المأمون من فقهاء الإمامية لأنهم نوّاب الإمام . وعلّق في موضع آخر بأن “المراد بالسلطان هنا الإمام العادل أو من يأذن له الإمام . وفي كتاب مختلف الشيعة بعد استعراض رواية عمر بن حنظلة المشهورة في التحاكم إلى رواة الحديث، عقّب العلامة بأنها “دالّة على تسويغ الحكم للفقهاء، وهو عام في إقامة الحدود وغيرها . بل صرّح أن ما ذهب إليه الشيخ المفيد في الوصية (ولاية الفقيه عند عدم السلطان العادل) قد تابعه عليه أبو الصلاح وابن إدريس “وهو المعتمد” . كذلك في كتابه منتهى المطلب قال: “ثبت أن للفقيه الحكم بين الناس، فكذلك له إقامة الحدود… وتعطيل الحدود حال الغيبة مع التمكن يؤدي إلى الفساد، فكان سائغًا، وهو قوي عندي” . وفي نهاية الأحكام رجّح دفع الزكاة إلى الفقيه في الغيبة معللًا بأنه نائب الإمام، فكانت له ولاية ما يتولاه الإمام . هذه النصوص تبين أن العلامة الحلي يعدّ الفقيه نائبًا عن الإمام في القضاء والحدود وسائر الولايات الشرعية عند غياب الإمام، وأن هذا هو المعتمد لدى أصحابهم.
- الشهيد الأول (محمد بن مكي العاملي، ت 786هـ): ذهب أبعد من أسلافه في التصريح بمفهوم النيابة العامة. قال في كتابه القواعد والفوائد: “الاجتماع من ضروريّات المكلّفين… فلا بدّ لها من حاسم (قاضٍ يقطع النزاع) وهو الشريعة، ولا بدّ لها من سائس، وهو الإمام ونوّابه . وفي الدروس الشرعية قال: “الحدود والتعزيرات إلى الإمام (ع) ونائبه ولو عمومًا، فيجوز حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتي في القضاء إقامتها مع المكنة” . كذلك نص في اللمعة الدمشقية على جواز تولي الفقهاء إقامة الحدود زمن الغيبة مع الأمن من الضرر، وأن على الناس الترافع إليهم ويلزمهم قبول حكمهم ويأثم من يردّ عليهم . هذه العبارات لا تترك مجالًا للشك بأن الشهيد الأول يعتقد بولاية الفقيه العامة في عصر الغيبة؛ فقد اعتبر الفقهاء “نوابًا عامين” للإمام في الحكم، حتى أن صاحب الجواهر علّق على كلامه في الزكاة قائلًا: “يمكن أن تظهر ثمرة القول في زمن الغيبة إذا طلبها الفقيه، بناءً على وجوب إجابته لعموم نيابته كما حكاه الشهيد” .
- الشهيد الثاني (زين الدين العاملي، ت 965هـ): وافق أستاذه الشهيد الأول في الجوهر. في مسالك الأفهام شرحًا لعبارة العلامة في دفع الزكاة إلى الفقيه، قال: “المراد بالفقيه حيث يُطلق على وجه الولاية: الجامع لشرائط الفتوى… فإنه منصوب للمصالح العامة . وعرّف الحاكم الشرعي بأنه “السلطان العادل أو نائبه الخاص أو العام مع تعذر الأولين، وهو الفقيه الجامع للشرائط… وإنما كان حاكمًا عامًا لأنه منصوب من قبل الإمام لا بخصوصه بل بعموم قولهم (ع): انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا… (أي مقبولة عمر بن حنظلة)” . كما أفتى الشهيد الثاني بجواز أن يتولى الفقيه الجامع للشرائط إقامة الحدود إذا سوغنا له ذلك في الغيبة ، وذكر أن هذا القول (أي ثبوت ولاية إقامة الحدود للفقيه) هو “مذهب جماعة من الأصحاب”، مؤيِّدًا برواية عمر بن حنظلة حيث إن “إقامة الحدود ضربٌ من الحكم… وهو قوي عندي” . نلاحظ هنا أن الشهيد الثاني يستدل بالروايات نفسها التي يستدل بها المعاصرون لإثبات ولاية الفقيه، ويعتبر دلالة مقبولة ابن حنظلة عامة تشمل الحكم وتنفيذ الحدود.
خلاصة هذه المرحلة: بحلول القرن العاشر الهجري كانت فكرة نيابة الفقيه العامة في الجملة راسخة في الفقه الإمامي. فقهاء بارزون كابن إدريس والعلامة الحلي والشهيدين أكدوا أن الفقيه منصوب من الإمام لرعاية مصالح الأمة والقيام بوظائف الحكم بالقدر الممكن . ومع أنهم غالبًا ركزوا على ولايات محددة (القضاء، الفتوى، الحسبة وإقامة الحدود مع الأمن…)، إلا أن تعابيرهم – كقولهم نواب الإمام، حاكم عام، منصوب للمصالح العامة – تؤسس بوضوح لعقيدة الولاية العامة للفقيه. وقد ادّعى بعضهم (كالمحقق الكركي بعد قليل) اتفاق الأصحاب على هذا المبدأ.
العصر الصفوي (القرن 10-11هـ/16-17م): بلورة النظرية في إطار الدولة
شكل قيام الدولة الصفوية (مطلع القرن العاشر الهجري/الـ16م) منعطفًا مهمًا؛ إذ أصبحت الإمامية لأول مرة منذ الغيبة في موقع السلطة الزمنية. وقد استعانت الدولة بعلماء الدين لإضفاء الشرعية على حكمها باعتبارهم نواب الإمام. في هذه الفترة برز المحقق الكركي وعدد من معاصريه الذين نظّروا صراحةً لولاية الفقيه على الدولة:
- المحقق الثاني علي الكركي (ت 940هـ): تولى منصب شيخ الإسلام في البلاط الصفوي وكان المرجع الديني الأعلى حينها، وقد صرّح بأن ولاية الفقيه أمر متفق عليه بين علماء المذهب. في رسالته حول صلاة الجمعة كتب الكركي: “اتفق أصحابنا (رض) على أنّ الفقيه العادل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى – المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية – نائب من قبل أئمة الهدى (ع) في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل” . هذا الكلام في غاية الوضوح؛ فهو يقرر إجماع فقهاء الشيعة على عموم نيابة الفقيه، وأن الفقيه الجامع للشرائط نائب للإمام في جميع المجالات التي يمكن أن ينوب فيها. كما قال في نفس الرسالة عن الفقيه: “الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام (ع)، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود” . يُستفاد أن الكركي يرى كل صلاحيات الإمام التفويضية في زمن الغيبة قد أُنيطت بالفقيه، بما فيها إقامة الحدود وإدارة الحكم الشرعي، وأن مخالفة الفقيه في ذلك مخالفة للإمام نفسه. وبالفعل، أسس الكركي لعلاقة الشراكة بين الفقيه والسلطان في العهد الصفوي، حيث اعتُبر العلماء ممثلين للمهدي ويشرفون على تطبيق الشريعة من خلال الدولة . ورغم أن تجربة الكركي السياسية لم تكتمل بسبب خلافه مع الشاه واضطراره لمغادرة إيران ، إلا أنه ترك أثرًا فكريًا مهمًا في ترسيخ نظرية ولاية الفقيه.
- علماء معاصرون للكركي: ظهرت في كلمات فقهاء آخرين من القرن العاشر تعابير مشابهة. فمثلاً المحقق الأردبيلي (ت 993هـ) في كتابه مجمع الفائدة علّق على ولاية الحاكم الشرعي على من لا ولي له قائلًا: “لا بدّ من وليّ، وليس أحد أحقّ من الفقيه ولا يساويه، لعلمه وتقواه… ولأن العلماء ورثة الأنبياء… ولأنه ولي الأصل وهو الإمام (ع). وكأنه لا خلاف في الحكم. وقد نُقل الإجماع في شرح الشرائع” . هذا يفيد بأن الأردبيلي يرى أحقية الفقيه بالولاية قياسًا على ولاية الإمام، بل يلمح إلى عدم وجود خلاف بين العلماء في هذا الحكم (أي إجماعضمني). كذلك العلامة النراقي ينقل أن علماء عصر الكركي تداولوا فكرة ولاية الفقيه في كتاباتهم . ويمكن الإشارة أيضًا إلى المحدث المجلسي (ت 1111هـ) الذي تولى منصب شيخ الإسلام في أواخر العهد الصفوي؛ فمع أنه لم يكتب نظرية منظمة في الولاية، لكن قبوله العمل بإمرة السلطان الصفوي (حسين الصفوي) بصفته عالمًا ممثلًا للشرع يعكس إقرارًا عمليًا بمبدأ نيابة الفقيه عن الإمام في شؤون الحكم .
وبهذا يمكن القول إن القرن العاشر – زمن الكركي – شهد ولأول مرة دمجًا واضحًا بين الفكر الفقهي والواقع السياسي. صارت نظرية ولاية الفقيه أكثر بلورةً: الفقيه نائب الإمام دينيًا وسياسيًا. وقد تبنى هذا المبدأ أبرز علماء ذلك العصر، حتى وُصف بأنه محل اتفاق بينهم . صحيح أن تطبيقه كان جزئيًا وتحت مظلة ملك غير معصوم (الصفويين)، لكنه وضع الأساس الذي ستبني عليه الاجتهادات اللاحقة.
القرنان الثاني عشر والثالث عشر هجري (18م– منتصف 19م): تكامل الأدلة العقليّة والنصّية
في هذه الحقبة (العهد القاجاري وما قبله بقليل) انتقلت نظرية ولاية الفقيه من نطاق الإشارات المتفرقة إلى بحث فقهي مستقل ومفصّل. إذ ألّف بعض الفقهاء رسائل خاصة في الموضوع، وبدأوا صياغة أدلة عقلية وأصولية تكمّل الاستدلال بالنصوص. ومن أبرز أعلام هذه المرحلة:
- المولى أحمد النراقي (ت 1245هـ/1830م): يُعدّ صاحب النقلة النوعية في تأصيل نظرية ولاية الفقيه. خصّص مبحثًا مستقلًا بعنوان “ولاية الحاكم” في كتابه الفقهي عوائد الأيام، طرح فيه النظرية بصورة شبه متكاملة ووضع لها المبادئ الأساسية . استدلّ النراقي بدليل عقلي وبنصوص شرعية على أن كل ما ثبت من ولاية للنبي (ص) والإمام (ع) يثبت للفقيه العادل إلا ما خرج بالدليل الخاص. يقول النراقي: “اعلم أن الولاية من جانب الله تعالى على العباد ثابتة لرسوله وأوصيائه المعصومين (ع)، وهم سلاطين الأنام… وكلية ما للفقيه العادل تولّيه وله الولاية فيه أمران: أحدهما كل ما كان للنبي والإمام (وهما سلاطين الأنام وحصون الإسلام) فيه الولاية فللفقيه أيضًا ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نصّ… وثانيهما: إن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به… ولم يجعل وظيفته لمعيّن، بل علم لابدّية الإتيان به أو الإذن فيه ولم يقم به غير المعصوم، فالفقيه العادل يقوم به قطعًا” . هذا الكلام بالغ الأهمية، لأنه يعمّم سلطة الفقيه لتشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية اللازمة لتنظيم أمور المعاش والمعاد للمجتمع، ما دام لا يوجد دليل خاص على استثناء أمر ما من ولايته. وقد سوى النراقي بين النبي والإمام والفقيه في أصل حقّ الولاية والسلطنة على الأمة. وبذلك قدّم أوضح صياغة نظرية الولاية المطلقة قبل العصر الحديث. ولم يكتفِ بذلك؛ بل استدل أيضًا بحجج عقلية (كدفع المفسدة المترتبة على تعطيل أمور المجتمع في غياب الإمام) وأخرى نصيّة (كالروايات العامة مثل مقبولة عمر بن حنظلة وتوقيع الإمام المهدي) . لذا يعتبر الباحثون أن الخميني امتداد للنراقي في هذا المجال .
- الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت 1228هـ/1813م): أحد مراجع النجف الكبار، كان له هو الآخر طرح واضح حول نيابة الفقيه. في كتابه كشف الغطاء قال أثناء حديثه عن الأراضي المفتوحة عنوةً (شأن سياسي/اقتصادي يتعلق ببيت المال): ”…كان أمرها إلى (خليفة النبي (ص)) أو إلى نائبه الخاص… وإن لم تكن يد الخليفة مبسوطة قام النائب العام من العلماء مقامه، فلا يجوز لأحد أن يتصرف إلا بإذنه مع قيامه بذلك وتيسر الرجوع إليه” . يدل هذا بوضوح على أن الشيخ كاشف الغطاء يرى العالم الفقيه نائبًا عامًا عن الإمام الخليفة عند عدم التمكن من الإمام أو نائبه الخاص، وأن إدارة الأمور العامة (كالتصرف في الأموال العامة) مشروطة بإذن هذا الفقيه النائب. وهذا إقرار صريح بمبدأ الولاية العامة في الشأن العام. يُذكر أن الشيخ جعفر تولى بنفسه ترتيب أوضاع النجف الإدارية في زمنه كفقيه قائد.
- السيد علي الطباطبائي (ت 1231هـ) صاحب رياض المسائل: أشار أيضًا لمفهوم الولاية العامة للفقيه عرضًا. مثلًا عند كلامه عن الطفل اللقيط قال: ”…فيكون أمره إلى الحاكم كالبالغ، من باب الولاية العامة، كحفظ المجانين وأموال الغياب وسائر المصالح العامة” . أي أن أمور فاقدي الأهلية (كالصغير والمجنون والغائب) يتولاها الحاكم الشرعي (الفقيه) ولايةً عامة. وهذه المسائل الحسبية فرع من ولاية الفقيه، واتفاقهم عليها دليل على أصل أكبر هو قبوله لسلطة الفقيه أينما دعت الحاجة ورعاية المصالح.
- الشيخ محمد حسن النجفي (صاحب الجواهر، ت 1266هـ/1850م): في موسوعته جواهر الكلام أكّد بصورة جازمة أن للفقيه ولاية عامة، وعدَّ إنكار ذلك ناشئًا عن قلة الاطلاع. يقول في بحث ولاية الفقيه: ”…بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور معطلة… فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئًا، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمرًا، ولا تأمل المراد من قولهم (ع): إني قد جعلته عليكم حاكمًا… وقاضيًا وحجةً وخليفةً ونحو ذلك، مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم… وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى دليل” . هذا النص بالغ الشهرة والتأثير. فـصاحب الجواهر – وهو من أعظم فقهاء الإمامية – يعتبر ولاية الفقيه أمرًا بديهيًا في الفقه، ويستغرب تردد البعض فيه إلى حد اتهامه بعدم تذوق الفقه! واستدل بأن روايات الأئمة (مثل مقبولة عمر بن حنظلة: “جعلته عليكم حاكمًا”) ظاهرة في أنها جاءت لتنظيم أمور الشيعة في عصر الغيبة عبر نصب الفقيه حاكمًا وقاضيًا وخليفةً عن الإمام . وبالتالي يرى الجواهر أن من ينكر شمول ولاية الفقيه لكثير من المجالات العامة فقد غفل عن روح كلام الأئمة وإشاراتهم. ويمكن عدّ رأي صاحب الجواهر هذا بمثابة إجماع سكوتي من المتأخرين، إذ لم ينقل عن أحد من معاصريه خلافه صراحةً، ما عزز دعوى أن مبنى الولاية العامة كان مشهورًا ومسلّمًا في ذلك العصر.
- الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ/1864م): وهو من كبار مجددي القرن التاسع عشر. لم يضع نظرية سياسية، لكنه تعرض لمسألة ولاية الفقيه أثناء بحثه لبعض الفروع الفقهية (ككتاب القضاء وكتاب المكاسب). ومن اللافت أن الأنصاري – على منهجيته الدقيقة – ذكر دلالات الروايات بشكل يفهم منه سعة ولاية الفقيه، ثم ناقشها علميًا. فمثلًا يقول في المكاسب عن مقبولة ابن حنظلة: إن ظاهرها “نفوذ حكم الفقيه في جميع الأحكام الشرعية وفي موضوعاتها الخاصة… إذ المتبادر عرفًا من لفظ (الحاكم) هو المتسلط على الإطلاق, كنحو قول السلطان: جعلت فلانًا حاكمًا عليكم، حيث يُفهم منه تسلطه على الرعية في جميع ما للرعية دخل فيه من أوامر السلطان… ويؤيده العدول عن لفظ (حَكَم) إلى (حاكم)” . ثم يستنتج الشيخ الأنصاري أنه إذا كان حكم الفقيه في وقائع الخصومة نافذًا لأن الإمام جعله حاكمًا مطلقًا وحجةً عامة, فهذا يعني أن نفوذ حكمه في الموارد الجزئية فرع حكومته المطلقة وحجيته العامة، لا أنه مقصور على مورد التخاصم . هذه العبارات تكشف أن الشيخ الأنصاري فهم روايات النيابة (كالمقبولة والتوقيع الشريف) على أنها تُثبت حكومةً عامة للفقيه، وإن كان بنفسه قد يتحفظ في بعض التفاصيل أو يشترط شروطًا. وبالفعل نُقل أن الشيخ الأعظم كان من القائلين بالولاية العامة للفقيه، لكنه في مقام البحث العلمي ناقش الأدلة النقلية ووجّه دلالتها كما يفعل عادة في طرح الإشكالات . وقد ظنّ بعض المتأخرين أنه ينكر ولاية الفقيه، بينما عباراته تدل على تثبيتها من حيث المبدأ مع تمحيص أدلتها . وعلى أية حال، يُعدّ كلام الأنصاري هذا دليلاً على أن فكرة الولاية العامة كانت مطروحة قبله ومفهومة على الأقل، وهو ناقشها كتلميذ نجيب يدرس الآراء السابقة وينتقد جوانب الدليل. ويؤكد ذلك أنه قال في موضع آخر بكتاب الزكاة: “ولو طلبها (الخمس أو الزكاة) الفقيه فمقتضى أدلة النيابة العامة وجوب الدفع؛ لأن منعه ردٌّ عليه، والرادّ عليه رادّ على الله تعالى كما في مقبولة عمر بن حنظلة” . فهذا تصريح أن أدلة النيابة العامة تُوجب الانقياد لأمر الفقيه حتى في الأموال الشرعية، ومن يرفض فقد ردّ حكم الله.
يمكننا أن نلاحظ في هذه الحقبة تبلور ملامح الاستدلال المتكامل على ولاية الفقيه: الأدلة النقلية (نصوص التوقيعات والروايات عن الأئمة التي ينقلها الكليني والطوسي وغيرهما) تفسّر بأنها تعيين عام للفقيه حاكمًا وقاضيًا ، والأدلة العقلية والضرورية (ضرورة حفظ النظام ومنع الفساد وتعطيل الأحكام) تُستدعى لتعزيز وجوب تولي الفقيه للسلطة عند غياب الإمام . وقد بلغ الأمر ببعضهم – كصاحب الجواهر – أن عدّه أمرًا واضحًا لا يحتاج لدليل . وهكذا بحلول منتصف القرن الـ19م يمكن القول إن نظرية ولاية الفقيه (العامة) كانت قد استوفت عناصرها علميًا، واعتبرها كثيرون من مشهورات المذهب إن لم تكن ضروريًا من ضرورياته (كما ألمح صاحب الجواهر).
أوائل القرن الرابع عشر الهجري (أواخر 19م – أوائل 20م): بين المشروطة والثورة
شهدت بدايات القرن العشرين الميلادي (آخر العهد القاجاري وبداية البهلوي في إيران، والحكم العثماني في العراق) بروز تحديات سياسية (كثورة الدستور الإيرانية 1906-1911م، وسقوط الدولة القاجارية) دفعت الفقهاء لموقف عملي من قضية الحكم. انقسم العلماء آنذاك بين تيارين: دستوريينيريدون تقييد سلطة الملوك بدستور مع مشاركة العلماء في الرقابة، ومستبدين يميلون للسلطة المطلقة (بعضهم بدافع قدسية الإمام المنتظر لا غيره). ومن هنا تجد آراء مختلفة حول نطاق ولاية الفقيه:
- الآخوند الخراساني (محمد كاظم، ت 1329هـ/1911م): زعيم مشروطة (الحركة الدستورية) وعلميًا من أكبر فقهاء عصره. موقفه ذو دلالة مهمة، إذ عارض إدخال نظرية الحكم الثيوقراطي (حكم الفقيه المطلق) في مشروع الدستور. ورأى أن دور الفقهاء هو الإشراف على القوانين لضمان إسلاميتها، لا تولي السلطة التنفيذية بأنفسهم . كتب الآخوند رسالة شهيرة ينتقد فيها تدخل علماء الدين المباشر في الحكم، معتبرًا أن ذلك قد يؤول إلى الفساد وانحراف الدين – وهي نفس النتائج التي نشهدها إذا استبد الفقيه بالسلطة . وبالتالي فالآخوند الخراساني يمثل تيارًا ناقدًا لنظرية ولاية الفقيه السياسية في صورتها المطلقة، مفضلًا صيغة ولاية الأمة على نفسها مع حفظ مكانة الفقه كمصدر للتشريع، وقد عبّر عن ذلك بقوله: “إن تأسيس الحكومة في زمن الغيبة والتصدي للشؤون السياسية يؤدي إلى مشكلات… والأولى عدم تصدي الفقهاء للسياسات التنفيذية” . موقف الآخوند هذا أيّده بعض تلامذته، فيما خالفه آخرون. لكنه يظل شاهدًا على وجود اختلاف نظر بين الفقهاء أنفسهم في مدى سعة ولاية الفقيه، مع دخول عوامل العصر الحديث.
- الميرزا محمد حسين النائيني (ت 1355هـ/1936م): من علماء النجف، شارك في دعم المشروطة ووضع تنظير شرعي لها. جمع بين الإقرار بمبدأ نيابة الفقهاء العامة وبين تبني النظام الدستوري. ففي كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة قرر أن “طبقًا لأصول مذهبنا نعتقد أن أمور الأمة وسياستها منوطة بالنواب العامّين لعصر الغيبة” ، أي الفقهاء. لكنه رأى أن هؤلاء النواب يمكنهم تفويض السلطة التنفيذية إلى ممثلين منتخبين من الأمة ضمن إطار دستور اسلامي، درءًا للفساد واستبداد الفرد. وقد أشار صراحةً إلى أن من ثوابت مذهب الإمامية في عصر الغيبة وجود ولايات (وظائف حسبية) لا يرضى الشارع بإهمالها ، وأن تصدي غير أهلها (أي غير الفقهاء العدول) لها لا يُعدّ اغتصابًا لحق الإمام المهدي ما دام يتم بتفويض من النواب العامين ورضاهم . فهو يعتبر الحكومة الدستورية بقيادة مدنية ليست حكومة جور إذا عملت ضمن إشراف الفقهاء وتشريعات الإسلام . بهذا يمكن القول أن النائيني وافق على الولاية العامة للفقيه نظريًا (أي أن الفقهاء أصحاب السلطة الشرعية العليا)، لكنه عمليًا أيّد تحديدها بإطار دستوري وتمثيلي. وهذا التطوير انعكاس لظروف زمنه حيث برزت مفاهيم الدولة الحديثة.
وخلال هذه الفترة أيضًا، كانت المؤسسة الدينية التقليدية تميل إلى التحفظ. فالكثير من المراجع الكبار في النجف وكربلاء (كالسيد إسماعيل الصدر، والشيخ الشيرازي صاحب ثورة التنباك، والميرزا التبريزي وغيرهم) لم يطرحوا أنفسهم حكامًا بل مراجع وناصحين للسلطة، بالرغم من إيمان أغلبهم نظريًا بنيابة الفقيه في الجملة. وبدخول العهد البهلوي (1925م) في إيران حصل صدام بين رضا شاه والعلماء (مثل آية الله البروجردي) ولكن لم تتبلور حركة ولاية فقيه ثورية، بل كانت مواجهة تقليدية دفاعًا عن الدين. استمر الأمر كذلك حتى منتصف القرن العشرين حيث الإمام روح الله الخميني ظهر كداعية صريح لإقامة دولة ولاية الفقيه.
العصر الحديث (منتصف القرن 20م – الوقت الحاضر): إقامة النظرية وتحدياتها
مثّل النصف الثاني من القرن العشرين نقطة التحول الكبرى بتحويل نظرية ولاية الفقيه إلى نظام حكم فعلي بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران (1979م). فيما يلي أبرز ملامح المرحلة ومواقف العلماء:
- الإمام روح الله الخميني (ت 1409هـ/1989م): أحيا النظرية بقوة غير مسبوقة. في عام 1970م تقريبًا ألقى سلسلة دروس في النجف طُبعت لاحقًا بعنوان الحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه)، قدّم فيها أدلته الشرعية والعقلية على وجوب إقامة دولة إسلامية بقيادة الفقيه. استدل الخميني على وجوب ولاية الفقيه بأنها امتداد لولاية الرسول والأئمة ضرورةً لحفظ الإسلام من التعطيل . واعتبرها أمرًا بديهيًا كما مر معنا. أكد الخميني أن جميع الفقهاء المتقدمين أقرّوا بولاية الفقيه العامة نظريًا وإن لم يُقيموا حكومة ، مستشهدًا بأقوال أمثال المفيد والعلامة والشهيدين والنراقي وصاحب الجواهر. وبعد انتصار الثورة، أُدرج مبدأ ولاية الفقيه في دستور الجمهورية الإسلامية لعام 1979م، ثم عُدّل عام 1989م ليُوصف صراحةً بـ”المطلقة” . وقد مارس الإمام الخميني ولاية مطلقة بالفعل، حيث أصدر أوامر ولائية علّقت بعض الأحكام الأولية عند الضرورة (كأمره بوقف فريضة الحج عام 1988م لمقتضيات سياسية)، مما أثار نقاشًا فقهيًا واسعًا حول حدود سلطة الولي الفقيه . إجمالًا، مثّل الخميني تيار الإثبات الأقصى للنظرية، وتبعه في ذلك تلامذته ومقلّدوه داخل إيران وخارجها.
- المراجع المؤيدون للولاية المطلقة (أواخر القرن 20): إلى جانب الخميني برز علماء آخرون دعموها فكريًا، مثل: الشيخ مرتضى الحائري (نجل مؤسس حوزة قم) الذي كتب رسالة في الولاية، الشيخ محمد مهدي الآصفي في العراق، السيد كاظم الحائري، الشهيد محمد باقر الصدر في بعض أطروحاته المتأخرة (رغم أنه طرح صيغة شورى الفقهاء أيضًا)، الشيخ حسين علي المنتظريالذي ألّف كتاب دراسات في ولاية الفقيه (كان من أبرز المنظرين لها نظريًا وإن اختلف لاحقًا مع القيادة الإيرانية سياسيًا)، وغيرهم. هؤلاء استدلوا على أن النظام الإسلامي الأنجع في غيبة الإمام هو ولاية الفقيه العادل، واستخرجوا لذلك شواهد تاريخية وتراثية مما سبق ذكره. حتى قيل إن نظرية ولاية الفقيه أصبحت مرتكزًا مشهورًا في الفكر السياسي الشيعي المعاصر بسبب تبني عدد كبير من العلماء المؤثرين لها.
- الموقف الشعبي العام شيعيًا: على صعيد القاعدة الجماهيرية للطائفة الشيعية، يمكن القول إن فكرة ولاية الفقيه بمعناها العام (زعامة الفقيه للطائفة دينيًا واجتماعيًا) مقبولة لدى معظم الشيعة الإثناعشرية، أما البعد السياسي المطلق فمحل جدل كما سيأتي في فقرة الاعتراضات. وكما عبّر أحد العلماء: “ولاية الفقيه تحظى بقبول معظم الشيعة وليس كلهم” .
لتوضيح الصورة تاريخيًا، نورد في الجدول التالي أمثلة موثقة لنصوص العلماء المؤيدة لولاية الفقيه عبر العصور، مما يظهر أنها كانت رأيًا حاضرًا لدى الأغلبية:
| العصر/العالم | نص يدل على تبنيه ولاية الفقيه العامة |
|---|---|
| القرن 5هـ: الشيخ المفيد | “وقد فوّضوا (الأئمة) النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم” ؛ الفقيه يتولى ما يولاه الإمام . |
| القرن 5هـ: أبو الصلاح الحلبي | “هو نائب عن وليّ الأمر (ع)… وإخوانه مأمورون بالتحاكم إليه… ولا يحلّ لهم الخروج عن حكمه” . |
| القرن 7هـ: العلامة الحلي | “الفقيه المأمون… نائب الإمام (ع)، فكان له ولاية ما يتولّاه” ؛ “تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود” . |
| القرن 8هـ: الشهيد الأول | “الفقيه نائب الإمام… ويجوز حال الغيبة للفقيه إقامة الحدود… ويأثم الرادّ عليه” . |
| القرن 10هـ: المحقق الكركي | “اتفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل… نائب من قبل الأئمة (ع) في جميع ما للنيابة فيه مدخل” . |
| القرن 11هـ: المقدس الأردبيلي | “لا بد من وليّ وليس أحد أحقّ منه (الفقيه)… وكأنه لا خلاف في الحكم، ونُقل عليه الإجماع” . |
| القرن 11هـ: نور الله التستري | “المجتهد الجامع للشرائط هو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام (ع)… والرادّ عليه رادّ على الله تعالى” . |
| القرن 12هـ: الشيخ كاشف الغطاء | “إذا لم يكن (الإمام أو نائبه الخاص) فبسط يده، قام النائب العام من العلماء مقامه، فلا يجوز التصرف إلا بإذنه” . |
| القرن 13هـ: الشيخ أحمد النراقي | “كلّ ما كان للنبي (ص) والإمام (ع) فيه الولاية فللفقيه أيضًا، إلا ما أخرجه الدليل” . |
| القرن 13هـ: صاحب الجواهر | “لولا عموم ولاية الفقيه لبقيت أمور المعطلة… والمسألة من الواضحات لا تحتاج إلى دليل” . |
| القرن 13هـ: الشيخ الأنصاري | “المتبادر من (حاكم) هو المتسلّط على الإطلاق… الإمام جعل الفقيه حاكمًا مطلقًا وحجّة عامّة” . |
| القرن 14هـ: الميرزا النائيني | “نعتقد أن أمور الأمة وسياستها منوطة بالنواب العامّين (الفقهاء) في عصر الغيبة” . |
| القرن 14هـ: الإمام الخميني | “ولاية الفقيه لا تحتاج إلى برهنة… كل من أدرك فقه الإسلام يصدّق ببداهتها” . |
جدول: خلاصة نصوص مختارة عبر التاريخ تدل على القول بولاية الفقيه العامة عند فقهاء الإمامية. نلاحظ ورود تعابير مثل نائب الإمام، الرئيس المطلق، حاكم عام، عموم الولاية وغيرها في كلامهم، مما يؤكد انتشار هذا المبنى في مختلف العصور.
من العرض أعلاه، يتضح أن دعوى “شيوع” القول بولاية الفقيه المطلقة بين علماء الشيعة لها أساس تاريخي قوي. فكبار الأعلام في كل قرن تقريبًا أيّدوا – تصريحًا أو ضمنًا – فكرة نيابة الفقيه عن الإمام في أمور الحكم والقضاء، باستثناء بعض التحفّظات هنا وهناك. حتى العلماء الذين اشتُهر عنهم موقف مخالف نجد في عباراتهم ما يؤكد أصل النيابة العامة (كما رأينا عند الشيخ الأنصاري مثلًا) . لهذا يصرّح بعض الباحثين المعاصرين المدافعين عن النظرية بأن “القول بولاية الفقيه العامة والمطلقة ليس مبنى بعض العلماء كما كان يُشاع، بل هو مبنى معظمهم، حتى أولئك الذين شاع على الألسن عدم قبولهم بها” .
الرد على الانتقادات
تثار أحيانًا شبهاتٌ وإنكارات حول نظرية ولاية الفقيه المطلقة، إذ يدّعي بعض المنتقدين أنها نظرية مستحدثة أو نادرة ولم تكن معروفة بين فقهاء الإمامية في القرون الماضية. ويزعم هؤلاء أن أغلب العلماء المتقدمين لم يتبنّوا فكرة الولاية العامة للفقيه، وأن انتشار هذا الرأي جاء متأخرًا (ربما مع عصر المحقق النراقي أو الإمام الخميني) وليس له جذور في التراث الفقهي الإمامي. في هذا التقرير العلمي سنفند هذه الادعاءات عبر تتبع شهرة القول بولاية الفقيه المطلقة في كلمات فقهاء الإمامية منذ عصر الغيبة الكبرى (329هـ) وحتى يومنا هذا. سوف نستعرض الأدلة التاريخية والنصوص الأصلية التي تظهر حضور هذه الفكرة عند كبار الفقهاء بمختلف العصور، مع توثيق المصادر والهوامش المفصلة. كذلك سنناقش اعتراضات المانعين أو المشككين في شهرة هذا القول – من أمثال الآخوند الخراساني والسيد الخوئي والسيد السيستاني وغيرهم – ونحلّل أسس منهجهم ونرد عليها بمنهجية علمية. الهدف هو إثبات أن ولاية الفقيه المطلقة ليست قولًا شاذًا أو مستحدثًا حديثًا، بل هي رأي رائج ومشهور حظي بتأييد واسع – تصريحًا أو ضمنًا – بين فقهاء الإمامية عبر القرون.
قِدَم نظرية ولاية الفقيه وعدم كونها مستحدثة
من الخطأ الظن بأن فكرة ولاية الفقيه وليدة العصر الحديث أو أنها من ابتداع الإمام الخميني فقط. فقد أثبتت الدراسات أن هذا المفهوم له جذور قديمة في الفقه الشيعي الإمامي منذ بدايات الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه السلام . ومعنى ذلك أن موضوع حاكمية الفقيه الجامع للشرائططُرح على بساط البحث العلمي عند العلماء الأوائل عقب غياب الإمام المعصوم، ولم يكن مفهومًا غريبًا عنهم. نعم، ركز متقدمو الفقهاء في القرون الرابعة إلى العاشرة الهجرية على تأصيل شرعية حكم الإمام المعصوم واعتبروا سلاطين عصرهم غير شرعيين وغاصبين ، مما جعل الموقف الشيعي السائد آنذاك هو انتظار الإمام المهدي والمعارضة للأنظمة القائمة. لكن هذا لا يعني إغفالهم لدور الفقيه في زمن الغيبة؛ فقد بحثوا دائرة وظائف الفقهاء في ظل غياب الإمام، خاصة في المجالات التي تقتضيها ضرورة حفظ النظام الديني كالقضاء وإقامة الحدود وأخذ الحقوق الشرعية. ونجد في كتبهم إشارات صريحة إلى أن الفقيه يمارس بعض صلاحيات الإمام الغائب بصفته نائبًا عنه في الأمور التي لها مدخلية في النيابة . من هنا يتبين أن فكرة نيابة الفقيه العامة لها جذور مبكرة، وكانت معروفة ضمنًا وإن لم تُصغ كمصطلح مستقل في كل حالة. وبمرور الزمن، تطورت هذه المفاهيم واتسعت دائرتها، لكنها بالتأكيد ليست بدعة حديثة؛ فولاية الفقيه “مصطلح فقهي قديم” في منظومة الفقه الإمامي .
جدير بالذكر أيضًا أنه ابتداءً من القرن العاشر الهجري (عصر بداية الدولة الصفوية) بدأ الفقهاء الإمامية لأول مرة يُقرّون بحكومة زمنية شيعيةيقودها سلطان أو شاه تحت إشراف الفقيه. أي انتقل بعض العلماء من الاقتصار على الولاية الخاصة (ضمن حدود القضاء والأحوال الشخصية) إلى الاعتراف بنوع من الولاية العامة في إدارة الدولة. فقد اعترف المحقق الكركي (ت 940هـ) – وهو من كبار فقهاء ذلك العصر – بحكومة الصفويين في إيران باعتبارها حكومة تتبنى المذهب الإمامي، لكنه شدد على أن مشروعيتها مستمدة من نظارة الفقيه على تنفيذ الأحكام . وهكذا أخذ مفهوم ولاية الفقيه يتبلور بشكل أوضح كإطار لنظرية الحكم الشيعية في عصر الغيبة، وليس مجرد فكرة مبعثرة. وتتابعت الكتابات والتنظيرات في هذا المجال وصولًا إلى عصرنا الحديث، مما يدلّ بجلاء على قدم أصول هذه النظرية واستمرار حضورها العلمي. وقد عبّر عن هذا المعنى أحد الباحثين المعاصرين قائلًا: «ليس القول بولاية الفقيه العامة والمطلقة مبنى بعض علماء الإمامية فقط – كما يُشاع – بل هو مبنى معظمهم، حتى أولئك الذين شاع على الألسن عدم قبولهم بها» . هذه الشهادة تُلخّص حقيقة تاريخية مهمة نهدف لإثباتها بتفصيل وتوثيق في هذا التقرير.
شواهد الشهرة من نصوص الفقهاء عبر العصور
إن أفضل طريقة لإثبات أن القول بولاية الفقيه المطلقة كان مشهورًا بين الفقهاء هي استعراض كلماتهم المدوّنة في المصادر الأصلية عبر مختلف القرون. عند تتبعنا لتصريحات كبار العلماء، سنلحظ تأكيدًا متكررًا على أن للفقيه صلاحيات واسعة في زمن الغيبة بصفته نائب الإمام. فيما يلي طائفة من أقوال الأعلام مرتبة تاريخيًا، تثبت حضور مفهوم الولاية العامة للفقيه وانتشاره بينهم:
- ابن أبي عقيل الإسكافي (القرن 4هـ): وهو من أقدم فقهاء الإمامية بعد الغيبة الصغرى، نسبت إليه بعض الآراء التي تشير إلى دور الفقيه في إقامة الحدود حال غياب الإمام. وقد نقل صاحب جواهر الكلام أن ابن أبي عقيل قال بجواز تولّي الفقهاء تنفيذ الحدود الشرعية زمن الغيبة ، مما يدل أن فكرة نيابة الفقيه في الأمور العامة طُرحت منذ وقت مبكّر جدًا.
- الشيخ المفيد (ت 413هـ): نصّ الشيخ المفيد في كتابه المقنعة على وجوب تسليم الزكوات إلى الإمام المعصوم أو نائبه، فإن تعذّر الوصول إليه تُعطى للفقيه ابتداءً . وقد علّق الشهيد الأول على هذا بقوله: «أوجب المفيد والحلبي حملها إلى الإمام، فَنائبه، فالفقيه ابتداءً» ، مما يظهر أن المفيد اعتبر الفقيه المرجع الفعلي لأموال الزكاة زمن الغيبة بعد انقطاع السفراء الخاصين. وهذا إقرار ضمني بأن منصب الفقيه في عصر الغيبة هو مقام الإمام فيما يتعلق بالحقوق الشرعية المالية، وإلا لما صحّ تسليمها إليه ابتداءً. كما نُقل عن الشيخ المفيد جواز تولّي الفقيه لبعض الوظائف القضائية والتنفيذية في غياب الإمام، منها إجراء الحدود والتعزيرات إذا أمن من الضرر، استنادًا إلى أن الفقيه نائب الإمام وحاكم الشرع . وقد عّد صاحب الجواهر الشيخ المفيد ضمن قائمة القائلين بجواز إقامة الفقيه للحدود في عصر الغيبة، بل واعتبر هذا القول مشهورًا بين الأصحاب بلا خلاف يُعتد به .
- الشيخ الطوسي (ت 460هـ): شيخ الطائفة بدوره أشار في كتابيه النهاية والمبسوط إلى دور الفقيه زمن الغيبة. فعلى سبيل المثال، في باب الأمر بالمعروف والجهاد ذكر الطوسي أن إقامة بعض الفرائض كصلاة الجمعة أو تنفيذ الحدود متوقف على إذن الإمام أو نائبه . وفهم العلماء من عباراته أن النائب العام للإمام هو الفقيه الجامع للشرائط. بل إن الطوسي نفسه أفتى – على ما حكاه عنه المتأخرون – بجواز تصدّي الفقهاء العدول لإقامة الحدود عند غياب الإمام إذا أمِنوا الضرر . وقد عدّه صاحب الجواهر من ضمن العلماء القائلين بولاية الفقيه في إقامة الحدود، مذكرًا إياه بلقب “الشيخان” (يقصد المفيد والطوسي) ممن أفتوا بذلك . فهذا يوحي بأن الشيخ الطوسي كان يؤمن بمبدأ الولاية العامة للفقيه في الجملة، وإن لم يفرد له بحثًا مستقلًا.
- العلاّمة الحلي (ت 726هـ): لم يصرّح العلامة الحلي بنظرية ولاية الفقيه كمبحث مستقل، لكنه في مواضع عديدة من كتبه – كـقواعد الأحكام وتذكرة الفقهاء – يجعل السلطان العادل أو نائبه شرطًا في بعض الأمور (كإقامة الجمعة والجهاد). والمقصود بالسلطان العادل عند الإمامية هو الإمام المعصوم أو نائبه العام. وقد ألمح المحقق الكركي أن مراد العلماء من نائب الإمام في عصر الغيبة هو المجتهد الجامع للشرائط . فمثلاً يقول العلامة في قواعده عند حديثه عن الأمر بالمعروف: “إن افتقر إلى القتل أو الجراح فلا يُقدم عليه إلا بإذن الإمام” ، وعلّق المحقق الكركي موضحًا أنه يُبنى على جواز إقامة الحدود للفقيه في زمن الغيبة ، مما يوحي بأن العلامة ومن سبقه كانوا يفسحون المجال نظريًا للفقيه للاضطلاع بهذه المهام عند الضرورة.
- الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت 786هـ): ترك الشهيد الأول تصريحات مهمة تدل على تبنّيه ولاية الفقيه العامة. فقد نصّ في كتاب الدروس الشرعية على أنه يجوز للفقيه الموصوف بصفات المفتي إقامة الحدود والتعزيرات في حال الغيبة مع التمكن، ويجب على العامة معونته ومنع المتغلب عليه إن أمكن . كما أكّد وجوب تحاكم الناس إلى الفقهاء الجامعين للشرائط، وحرمة ردّ حكمهم، حيث قال: «يجب الترافع إليهم ويأثم الرادّ عليهم» . هذه العبارات واضحة في اعتبار الفقهاء نوّابًا عامّين عن الإمام في فصل الخصومات وإنزال العقوبات. كذلك صرّح الشهيد في اللمعة الدمشقية بجواز تصدي الفقهاء لإقامة الحدود زمن الغيبة بشرط الأمن من الضرر ، وفي باب القضاء عدّ الفقيه نائب الإمام وأوجب على الناس قبول حكمه . كل ذلك يؤكد أن الشهيد الأول كان من القائلين بأن للفقيه ولاية شرعية واسعة تشمل القضاء وتنفيذ الأحكام، وهو رأي لم يعتبره بدعة بل نقله عن من سبقه كالمفيد وأبي الصلاح الحلبي .
- المحقق الثاني نور الدين علي الكركي (ت 940هـ): يُعد الكركي من أبرز من نظّر لمشروع ولاية الفقيه في عصر الدولة الصفوية. فقد شغل منصب “شيخ الإسلام” بإصفهان، وكان المرجع الديني الأعلى في زمنه. في إحدى رسائله – وهي رسالة في صلاة الجمعة – أطلق تصريحًا شهيرًا جاء فيه: «اتفق أصحابنا على أن الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى… نائب من قبل أئمة الهدى عليهم السلام في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل» . هذا النصّ يُظهر أمرين مهمين: أولهما دعوى اتفاق فقهاء الإمامية على عموم نيابة المجتهد، وثانيهما شمول تلك النيابة كل ما يصح أن يُنيب فيه الإمام المعصوم أحدًا. فكلام الكركي صريح في أن للفقيه ولاية عامة تشمل جميع الصلاحيات الدينية التي يختص بها الإمام، باستثناء ما خرج بالدليل الخاص. كما أكد الكركي هذا المبدأ في مواضع أخرى؛ فشرحًا لعبارة العلامة الحلي حول اشتراط إذن الإمام في بعض أمور الأمر بالمعروف، علّق الكركي بأن المسألة تُبنى على جواز إقامة الحدود للفقيه زمن الغيبة ، مما يدل على تبنيه جواز ذلك. وفي معرض حديثه عن صلاة الجمعة، صرّح الكركي بأن الفقيه «منصوب من قبلهم (ع) حاكمًا كما نطقت به الأخبار» ، مستدلًا بروايات النيابة العامة. إذن، المحقق الكركي لم يكتفِ بتبنّي نظرية ولاية الفقيه المطلقة فحسب، بل ادعى شهرتها واتفاق الأصحاب عليها قبله.
- الشهيد الثاني زين الدين العاملي (ت 966هـ): كان الشهيد الثاني أيضًا من أنصار مبدأ النيابة العامة للفقيه في زمن الغيبة. ففي كتاب مسالك الأفهام عند حديثه عن دفع الزكاة للفقيه، عرّف الفقيه – حين يطلق على جهة الولاية – بأنه «الجامع لشرائط الفتوى العدل المأمون» ثم قال: «فإنه منصوب للمصالح العامّة» . هذا التعبير (منصوب للمصالح العامة) يدل على أن الشهيد الثاني يرى الفقيه وليًا على الأمور العامة في الأمة. وأوضح في باب الخُمس أن حصة الإمام الغائب يتولاها الفقيه نائب الإمام تمامًا كما يفعلها الإمام لو كان حاضرًا . قال في شرح قول المحقق: «يتولى صرف حصة الإمام في الأصناف من إليه الحكم بحق النيابة»: «المراد به الفقيه العدل الإمامي… لأنه نائب الإمام ومنصوبه، فيتولى عنه الإتمام لباقي الأصناف… كما يجب عليه عجل الله فرجه ذلك مع حضوره» . ووصف الشهيد الثاني الفقيه بأنه حاكم عام منصوب من الإمام بعموم قوله في الحديث: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا… فإني قد جعلته عليكم حاكمًا» . كذلك بحث الشهيد الثاني مسألة جواز إقامة الفقهاء للحدود الشرعية زمن الغيبة وأفتى بالجواز بشرط الأمن، مستحسنًا ذلك القول وواصفًا إياه بأنه مذهب جماعة من الأصحاب . واستدل برواية عمر بن حنظلة (المقبولة) على أن إقامة الحدود نوعٌ من الحكم وأن للفقيه حكم الإمام في ذلك . إذًا، كلمات الشهيد الثاني تنسجم بقوة مع نظرية الولاية المطلقة للفقيه.
- المحقق أحمد بن فهد الحلي (ت 841هـ) والمحقق المقداد السيوري (826هـ) وغيرهما: نقل صاحب الجواهر اتفاق جماعة من كبار الفقهاء في تلك الحقبة على عموم ولاية الفقيه. فعدّ من القائلين بجواز إقامة الحدود للفقيه كلًا من الإسكافي (ابن أبي عقيل)، والشيخين (المفيد والطوسي)، وابن إدريس، وابن زهرة، والعلامة الحلي، والفاضل المقداد، والمحقق الكركي، والمحقق الديلمي، والمولى الفيض الكاشاني، وغيرهم . وذكر أن ظاهر كلمات أغلب الأصحاب عبر العصور هو عدم الفرق بين جميع مناصب الإمام المعصوم والفقيه العادل . هذه شهادة ثمينة من فقيه محقق استقرأ أقوال مَن سبقه فوجد أن القول بعمومية نيابة الفقيه هو السائد والمسلّم به بينهم. وسنعود لعبارات صاحب الجواهر لاحقًا بشيء من التفصيل.
- العلامة المجلسي (ت 1111هـ): على الرغم من اشتهاره كمحدث، فإن الشيخ محمد باقر المجلسي أقرّ عمليا بمبدأ ولاية الفقيه من خلال تعاونه مع الدولة الصفوية وتعزيز دور العلماء في إدارة شؤون المجتمع تحت ظل السلطان الشيعي. ففي بحار الأنوار وغيره أشار إلى أن الفقهاء في زمن الغيبة يقومون بوظائف الحُكّام الشرعيين قدر الإمكان. ولم ينقل عنه اعتراض على ما أسسه أسلافه كالكركي، بل دعم فكرة أن السلطنة الظاهرية حين تكون بيد شيعي تخضع لتوجيه العالم الديني. وهذا شكل من إقرار ولاية الفقيه من حيث الإشراف على الحاكم.
- المولى أحمد النراقي (ت 1245هـ): يُعتبر الشيخ النراقي صاحب نقلة نوعية في صياغة نظرية ولاية الفقيه المطلقة، إذ أفرد لها بحثًا مستقلًا هو الأشهر من نوعه قبل القرن العشرين. في كتابه عوائد الأيام كتب عمدة أدلته العقلية والنقلية على ثبوت الولاية للحاكم الشرعي. ومما قاله النراقي: «اعلم أن الولاية من جانب الله سبحانه على عباده ثابتة لرسوله وأوصيائه المعصومين عليهم السلام… وهم سلاطين الأنام… وسائر الناس رعاياهم». ثم قرر أصلين مهمين: أولهما: «كل ما كان للنبي والإمام الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام فيه الولاية، فللفقيه العادل أيضًا ذلك، إلا ما أخرجه الدليل نصًا أو إجماعًا» . والثاني: «كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به، ولم يُجعل تكليفه لشخص معين أو جهة معيّنة، فإنه وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به» . وخلاصة طرح النراقي أن الفقيه العادل له كل صلاحيات الإمام المعصوم في إدارة شؤون الدين والدنيا، باستثناء ما نُصّ على اختصاصه بالمعصوم. وقد استدل على ذلك بجملة من الروايات (مثل مقبولة عمر بن حنظلة وتوقيع إسحاق بن يعقوب) وبالاعتبارات العقلية المتعلقة بضرورة انتظام أمور الناس . ويظهر من كلام النراقي أنه قائل بالولاية المطلقة بالأدلة اللفظية، أي أنه يرى النصوص الشرعية بنفسها تُثبت نصب الفقيه نائبًا عامًا عن المعصوم. وقد صرّح أن هذا المنصب ثابت أيضًا من باب الحسبة (الدليل العقلي)، حيث لا يمكن تعطيل أمور المسلمين العامة . إذن النراقي لم يأت بفكرة جديدة من فراغ، بل استند إلى تراث من الأقوال قبله ورتّب الأدلة وبوّبها، لذا عُدَّ بحثه هذا من أهم دعائم التنظير الحديث لولاية الفقيه.
- الشيخ محمد حسن النجفي، صاحب الجواهر (ت 1266هـ): تأتي شهادة صاحب جواهر الكلام كواحدة من أوضح الدلائل على شيوع نظرية ولاية الفقيه المطلقة بين المتقدمين. فقد ناقش الشيخ النجفي مسألة نيابة الفقيه في أبواب متعددة من موسوعته، وصنّفها ضمن الضروريات الفقهية عند الإمامية. من ذلك قوله في باب الخمس: «ظاهر الأصحاب عملًا وفتوىً في سائر الأبواب عموم ولاية الفقيه، بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم» . وفي موضع آخر بعد أن يستعرض أقوال العلماء في ولاية الفقيه يقول: «فولاية الفقيه العامة في نظر صاحب الجواهر مما تسالم عليه الفقهاء… ثم ترقّى وقال إنها من المسلمات والضروريات البديهية عند فقهائنا» . بل بلغ به الأمر أن شبّه إنكار ولاية الفقيه بالوسوسة التي تصيب من لم يذق طعم الفقه، فقال مشهورًا: «بل من الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئًا، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمرًا… وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة» . وهذه عبارة بالغة الدلالة، إذ يعتبر صاحب الجواهر ولاية الفقيه العامة أمرًا بديهيًا واضحًا في مذهب أهل البيت تمامًا كوضوح وجوب الصلاة مثلًا . وهو بذلك ينفي الحاجة حتى للاستدلال والنقاش الطويل حولها. ومن شواهد الجواهر أيضًا نقله لإجماع من سبقه على أن الفقيه يقوم مقام الإمام في غالب الأمور: يقول عند كلامه عن جواز إقامة الحدود: «بل هو المشهور، بل لا أجد فيه خلافًا إلا ما يُحكى عن ظاهر ابني زهرة وإدريس ولم نتحققه، بل لعل المتحقق خلافه» . فهو يؤكد أن المشهور بين العلماء هو القول بجواز تولي الفقهاء للحدود زمن الغيبة، وينفي وجود خلاف معتبر في المسألة. ويستشهد كذلك بروايات التوقيع الشريف («وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا… فإنهم حجّتي عليكم») ومقبولة ابن حنظلة («إني جعلته عليكم حاكمًا») ليثبت شمول ولاية الفقيه لكل ما يعود إلى تنظيم أمور الشيعة في زمن الغيبة . بل إنه يصرّح: «لولا عموم ولاية الفقيه لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة» ، في إشارة إلى أن التفريع العملي لدى الفقهاء مبني على ثبوت هذه الولاية، وإلا لتعطلت شؤون الأوقاف والأيتام والقضاء والحدود والأنكحة وغيرها. ومن الأمثلة التفصيلية التي طرحها صاحب الجواهر لإبراز سعة ولاية الفقيه: تصديه لأمور الزكاة والخمس والقضاء والنكاح والحسبة وحتى عقد الهدنة مع الكفار أو فرض الخراج في زمن الغيبة . فقد ذكر في كل باب أن نائب الغيبة (أي الفقيه) قائمٌ مقام الإمام فيه لعموم ولايته إذا تمكن من ذلك . هذه النصوص تجعل من الواضح أن الشيخ النجفي يرى ولاية الفقيه المطلقة مبنى جمهور الفقهاء قبله، وأن من يشكك فيها إنما يجافي البداهة الفقهية عند الإمامية.
- شيخ الشريعة الأصفهاني (ت 1339هـ) وآيات الله في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين: أيد العديد منهم مبدأ نيابة الفقيه في الجملة. وقد نُقل عن المرجع الكبير السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (صاحب العروة، ت 1337هـ) قوله بولاية الفقيه في الأمور الحسبية والقضاء. وكذا أقرّ بها الميرزا محمد حسين النائيني (ت 1355هـ) من حيث الأصل وإن كان له رأي خاص في شكل الحكومة (الشورى الدستورية). والسيد محسن الحكيم (ت 1390هـ) قبل ببعض جوانبها كالقضاء والحسبة ولكنه تحفظ في الجوانب السياسية المباشرة. أما المرجع الأكبر السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413هـ) فسيلحق ذكر موقفه تفصيلًا؛ إلا أنه حتى من لم يؤمن منهم بالولاية بالمعنى السياسي الواسع، فإنه لا ينكر أصل نيابة الفقيه فيما لا بد منه شرعًا. وبذلك نجد أنه لم يخلُ عصر من الأعصار من قائلين بعموم ولاية الفقيه، سواء صرّحوا بذلك أو مارسوه ضمنًا. إنها إذن ليست قولًا مهجورًا أو نادرًا، بل تداوله أعلام المذهب وعملوا بمقتضاه في المجالات التي أتيحت لهم.
موقف كبار العلماء (كالمفيد والطوسي) والرد على الزعم بعدم تبنّيهم الولاية العامة
استند بعض المشككين إلى أن أعلامًا كبارًا من المتقدمين كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي – وكذلك من المتأخرين كشريف العلماء وشیخ الأنصاري – لم يطرحوا نظرية ولاية الفقيه المطلقة بصراحة، بل ربما لم يقبلوها. والحال أن هذا الاستنتاج مبني إما على سكوت أولئك الأعلام عن تسمية النظرية بشكل مباشر، أو على تفسيرٍ ضيق لعباراتهم. وفيما يلي نفنّد هذه الدعوى، ونبيّن أن مواقف أولئك الأعلام لا تتعارض مع ولاية الفقيه العامة، بل قد تُفهم ضمن إطارها عند التدقيق:
- الشيخ المفيد (ت 413هـ): لم يفرد المفيد بحثًا مستقلًا بعنوان “ولاية الفقيه”، لكننا رأينا آنفًا أنه أوجب في كتاب المقنعة إيصال الحقوق الشرعية (كالزكاة) زمن الغيبة إلى الفقيه إذا تعذّر إيصالها للإمام . كما نصّ على جواز أن ينوب الفقيه عن الإمام في إقامة الحدود عند الضرورة. هذه الأحكام تدل بوضوح على أن المفيد يعطي الفقيه مقام الإمام في الأمور التي لا يمكن تعطيلها شرعًا. فمثلاً، لو كان المفيد يعتقد أن الفقيه ليس له ولاية، لما سوّغ له استلام الأموال الشرعية وصرفها أو إقامة أي حدّ، ولما عدّه ضمن التسلسل بعد الإمام ونائبه الخاص. إذن فموقف الشيخ المفيد الحقيقي هو إثبات نوع من الولاية للفقيه، وإن كان بشكل مقتضب يتناسب مع منهجية التأليف في عصره. ويمكن القول إن عدم تعرضه لتفاصيل أكثر مردّه أن المجتمع الشيعي حينها كان يعيش التقية والعزلة السياسية، فلم يستفض العلماء في تنظير حكمٍ لن يتسنّى تطبيقه. لكن حيثما دعت الحاجة، ذكر المفيد الفقيه كنائب عام. وهذا تَبَنٍّ ضمني للولاية العامة وإن لم يسمها بهذا الاسم. وقد أكّد هذا الفهم صاحب الجواهر عندما عدّ الشيخ المفيد من زمرة القائلين بجواز إقامة الفقيه للحدود “لعموم نيابته” . وبالتالي فلا يصح الادعاء أن المفيد أنكر الولاية أو جهلها، بل الصحيح أنه سكت عن التنظير الواسع لعدم وجود دولة شيعية آنذاك، ومع ذلك أقرّ بأهم مظاهرها في الفروع العملية.
- الشيخ الطوسي (ت 460هـ): وكذلك الأمر بالنسبة لشيخ الطائفة، فهو لم يضع “نظرية حكم” متكاملة في غياب الإمام، لكن كتبه الفقهية مليئة بإشارات تفترض قيام الفقيه بمهام الحاكم الشرعي. مثلاً اشترط في النهاية إذن الإمام أو نائبه في إقامة الجمعة، ومع غياب الإمام ونوابه الخاصين فالبديل الوحيد هو نائبه بالعموم أي المجتهد. ووافق الطوسي على تولي الفقهاء للقضاء بين الناس، وهو منصب سيادي في المجتمع. والأهم ما نقله العلماء عن الشيخ الطوسي في جواز تولي الفقيه للحدود والتعزيرات زمن الغيبة ؛ إذ أدرجه صاحب الجواهر – كما مرّ – ضمن قائمة المجيزين لذلك مع وصفهم بأن قولهم هذا هو المشهور بلا خلاف . ورب قائل يقول إن الطوسي ذكر رأيين في بعض المسائل (كما في الأمر بالمعروف إذا استلزم القتال) لكنه احتاط في بعضها اشتراطًا لإذن الإمام. فنجيبه: نعم، احتاط الطوسي في زمنه حقنًا لدماء الشيعة وخوفًا من الفتنة، لكنه لم ينكر مبدأ أن لو تهيأت الظروف لفقيه عادل قوي شوكة، جاز له القيام بكل ما للإمام من وظائف عدا ما اختص به المعصوم كالجهاد الابتدائي. وفي هذا السياق قال الكركي تعليقًا على كلام العلّامة حول الأمر بالمعروف: «هل يجوز للفقيه الجامع للشرائط أن يتولاه في زمان الغيبة؟ ينبغي بناؤه على جواز إقامة الحدود» ، ما يعني أن رأي الشيخ الطوسي مبني على مدى توفر القدرة وليس على نفي أصل الولاية. لذلك فإن القول بأن “الطوسي لم يتبنَّ الولاية العامة” غير دقيق؛ والأصح أنه آمن بنيابة الفقيه في الجملة ولكن لم يفصّل الكلام فيها نظريًا لاعتبارات واقعية آنذاك. ومما يؤكد ذلك إدراج الشيخ الطوسي ضمن العلماء الذين استقر رأي المتأخرين على أنهم مؤمنون بعموم ولاية الفقيه .
- العلاّمة الحلّي وغيره من المتقدمين: يتكرر ذات المنهج مع علماء كثر؛ فلم يكن من دأب الفقهاء القدماء تحرير نظرية الحكم في مصنف مستقل، لانشغالهم ببيان الأحكام التكليفية والفرعية أساسًا. ومع ذلك، نجد في ثنايا كتبهم الفقهية آراءً صريحة تعكس قبولهم بأن للفقيه سلطة شرعية فيما يرتبط بشؤون الأمة العامة عند غياب المعصوم. فالعلاّمة الحلّي مثلًا صرّح بأن للفقيه حق التصدي للقضاء بلا إذن من أحد، وهذا من شؤون ولاية الأمر. والمحقق الحلي (ت 676هـ) في شرائع الإسلام ذكر أن أمر الحِسبة (الأمور التي لابد من القيام بها ككفالة اليتيم وحفظ أموال الغائبين) موكول إلى الحاكم الشرعي أي الفقيه عند غياب السلطان العادل. كذلك نطالع في مختلف الشيعة ومنتهى المطلبللعلامة نقاشات حول حدود صلاحيات الفقيه تشير إلى أنه المفوض شرعًا حال عدم وجود الإمام.
وخلاصة القول: إن كبار المتقدمين من أمثال المفيد والطوسي وابن إدريس والعلامة الحلي والمحقق الحلي لم ينفوا أصل ولاية الفقيه، بل طبّقوها عمليًا في الفتاوى التي تستوجب وجود سلطة دينية تنفيذية في عصر الغيبة. وسكوتهم النظري عن المصطلح لا يعني أبدًا رفضهم له؛ إذ ليس كل مسكوت عنه يكون مجهولًا أو مرفوضًا. فالفقهاء نواب الأئمة بمقتضى الروايات المأثورة، وهذا المفهوم كان ضمنيًا في أذهان العلماء الأوائل حتى لو لم يكتبوا فصلًا خاصًا بعنوان “ولاية الفقيه”. لذا فإن الاحتجاج بغياب التصريح لا ينهض مقابل وفرة الدلائل التطبيقية على إقرارهم بدور الولي الفقيه.
تفسير المؤيدين للولاية المطلقة لأقوال العلماء الذين ظُنّ عدم قبولهم بها
عرفنا أن هناك بعض العلماء الذين يشار إليهم أحيانًا على أنهم لم يقبلوا ولاية الفقيه المطلقة، مثل شيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ) أو تلامذته، أو مراجع العصر الحاضر كالخوئي والسيستاني (وسيأتي تفصيل مواقفهم). أنصار ولاية الفقيه المطلقة عندما واجهوا أقوال هؤلاء العلماء، لم ينكروها بل قاموا بتفسيرها بشكل متناغم مع مبنى الشهرة التاريخية للولاية. ويمكن تلخيص منهج المؤيدين في التعامل مع هذه الأقوال بالنقاط التالية:
- إبراز العناصر المؤيدة ضمن كلام العالم نفسه: كثيرًا ما نجد في كتب العالم الذي ظُنّ عدم تبنيه للولاية العامة بعض العبارات التي تدعم النيابة العامة للفقيه. فيُبرز المؤيدون هذه العناصر للدلالة على أنه – في الجملة – موافق لمبدأ الولاية، وإنما الخلاف في التفاصيل أو في منهج الاستدلال. على سبيل المثال، الشيخ الأنصاري نفسه على الرغم من تحفظاته المعروفة، صرّح في مواضع من كتبه بأن الفقيه حُجّة الإمام على الرعيّة وأمينه وخليفته بنص الروايات . فقد قال في كتاب الخمس: «ربما أمكن القول بوجوب الدفع إلى المجتهد نظرًا إلى عموم نيابته وكونه حجّة الإمام على الرعية وأمينًا عنه وخليفة له، كما استفيد ذلك كله من الأخبار» . هذه العبارة من الشيخ الأعظم واضحة في إيمانه بعموم نيابة الفقيه المستفادة من الروايات. وكذلك في كتاب الزكاة كتب: «ولو طلبها الفقيه فمقتضى أدلة النيابة العامة وجوب الدفع، لأن منعه ردٌّ عليه، والرادّ عليه رادّ على الله تعالى، كما في مقبولة عمر بن حنظلة» . إذن فالأنصاري يسلّم بأن للفقيه ولاية (على الأقل في أخذ الأموال الشرعية) وأن الرد عليه كالرد على الإمام المعصوم (رد على الله). هذه نصوص قوية لا يمكن إغفالها عند تقييم موقفه. ويستدل بها المؤيدون على أن الشيخ الأنصاري – برغم عدم تصريحه بعبارة “ولاية مطلقة” – كان يقبل جوهر النظرية المتمثل في نيابة الفقيه عن الإمام في الأمور العامة.
- شرح سياق تحفظات العالم المعني: المؤيدون للولاية المطلقة لا ينكرون أن بعض العلماء كانت لهم تحفظات أو شروط في إثبات الولاية، لكنهم يشرحون سياقها. فمثلًا، شيخ الأنصاري ناقش أدلة ولاية الفقيه من جهة دلالتها اللفظية ووجد أن إقامة الدليل القطعي على مساواة طاعة الفقيه لطاعة الإمام “دونها خرط القتاد” أي شاقة جدًا . هذا ما يتشبث به المعارضون ليقولوا: انظروا، الأنصاري نفسه نفى إمكانية الدليل. بيد أن مؤيدي الولاية يضيفون أن الأنصاري لم ينكر الولاية كمبدأ، بل قال إن الأدلة النصيّة غير يقينية عنده بالشمول لكل شيء، ولذلك اتجه لإثبات الولاية من باب آخر هو باب الحِسبة. فختم بحثه قائلًا إنه يصحح ولاية الفقيه اعتمادًا على ضرورة تولي الأمور الحسبية التي لا يرضى الشارع بتعطيلها . وبالفعل أفتى الأنصاري بأن للفقيه ولاية التصرف في مال القصّر والأوقاف العامة وأمثالها، واعتبر ذلك محل إجماع . إذن، يفسّر المؤيدون موقف الأنصاري بأنه لم يرفض المبدأ وإنما ناقش نوع الدليل. وهذا لا يقدح في شهرة القول أو قبوله، بل يبيّن اختلاف مسالك العلماء في الإثبات. ومثل ذلك يقال في تحفظات آخرين: فقد يكون الداعي إليها سد ذرائع الاستبداد، أو ضعف بعض الروايات سندًا، أو الخشية من إصطدام علماء الشيعة بالسلطات الظالمة، وليس إنكارًا لثبوت أصل النيابة للفقيه.
- التفريق بين عدم التطبيق العملي والإنكار النظري: يرى أنصار الولاية المطلقة أن غياب التطبيق التاريخي الواسع لها لا يعني نفي شرعيتها. فمثلاً الشيخ المفيد والطوسي عاشا تحت حكم الخلافة العباسية ولم يكن بإمكانهما إقامة حكومة بقيادة الفقيه، فهل نعتبر عدم تأسيسهما لدولة “رفضًا” للولاية؟ بالتأكيد لا. وكذا عدم تصدي الفقهاء عبر العصور للحكم سياسيًا يعود لأسباب موضوعية (كالضعف العددي والقمع) وليس لإنكار فقهي. لذلك حين نجد فقيهًا كبيرًا كالسيد السيستاني في عصرنا لا يطرح نفسه حاكمًا مطلقًا على الدولة، فهذا يرجع لاختياره منهجًا في القيادة (يقضي بالإرشاد المعنوي وترك إدارة الدولة للمنتخبين) وليس لأنه ينكر أصل ولاية الفقيه شرعًا. بالفعل صرّح المرجع السيستاني بأنه لا يرى نفسه وليًا مطلقًا على العراق، لكن في الوقت عينه يوجب الرجوع للحاكم الشرعي في الأمور العامة الحساسة شرعًا. ومن هنا، يحرص المؤيدون على وضع مواقف العلماء في ظرفها التاريخي والسياسي لفهمها.
- استحضار إجماعات العلماء الآخرين لتفسير كلام المعترض: عندما يشكل ظاهر كلام عالم ما مع ما اشتهر عند غيره، يلجأ المؤيدون إلى حمله على معنى متوافق. فمثلاً، لو وجدنا فقيهًا يقول “لم تثبت الولاية للفقيه بدليل قطعي” نحمله على أنه يقصد الولاية السياسية المطلقة بمعنى نصب الفقيه حاكمًا للدولة بنص خاص وهذا لم يرد فيه نص صريح. لكن هذا لا ينفي عنده ولاية الفقيه في الأمور الحسبية أو القضائية. وبالفعل كثير ممن يوصفون برفض الولاية المطلقة (كالسيد محسن الحكيم أو السيد الخوئي) يثبتون للفقيه ولاية في الجملة وإن أنكروها في التوسع الذي قال به الإمام الخميني. إذ غالبًا محل الخلاف هو مدى شمول ولاية الفقيه لكل السلطات والصلاحيات دون استثناء، بينما الجميع متفقون على ولاية الفقيه في الأمور المتفق على عدم جواز تعطيلها شرعًا (مثل: القضاء، الإفتاء، حفظ النظام، أموال فاقدي الأهلية…). إذن قراءة كلام المانعين تجب أن تكون في هذا الإطار التفريقي. وهذا بالفعل ما فعله صاحب الجواهر عندما واجه احتمال نسبة الخلاف لابن إدريس الحلي أو ابن زهرة: إذ شكك في صحة نسبة المخالفة إليهما وقال لعل المتحقق خلافه ، أي لعلهم يوافقون الجمهور عند التأمل. هكذا يتم تذويب المعارضة الظاهرية ضمن موجة الشهرة الغالبة. والمؤيدون يرون أن هذا المسلك منهجي وصحيح، لأن الاتفاق الشائع مقدم على شذوذ محتمل في كلمات بعض الأعلام.
وباختصار، استطاع مؤيدو ولاية الفقيه المطلقة استيعاب ما يبدو تعارضًا في كلمات بعض العلماء، وأعادوا تفسيرها بشكل ينسجم مع شهرة القول تاريخيًا. فهم يقولون: حتى الذين tưởng أنهم ضد النظرية، في الحقيقة إما يوافقون على جزء كبير منها (ولاية قضائية/حسبية) أو كانت لديهم ملاحظات على تفاصيلها وليس على أصلها. وبذلك تبقى دعوى شهرة النظرية بين الأعلام قائمة كما هي، ولم يثبت عند التحقيق عالم إمامي معتبر أنكر أصل ولاية الفقيه تمامًا في كل المجالات. وهذا الاستنتاج – إذا ثبت – يدحض تمامًا دعوى الخصوم بأن “غالبية الفقهاء على مر التاريخ لم يقبلوا ولاية الفقيه”.
مناقشة أبرز الاعتراضات الحديثة
في القرن الأخير برزت شخصيات علمية مهمة عبّرت عن تشكيك أو رفض لفكرة الولاية المطلقة للفقيه بالشكل الذي طُرح في فكر الإمام الخميني. هؤلاء العلماء – مع اتفاقهم على مكانة الفقهاء في المجتمع الشيعي – إلا أنهم نَفَوا وجود دليل قطعي أو إجماع سابق على إعطاء الفقيه جميع صلاحيات الإمام المعصوم. من أبرز هؤلاء:
- الآخوند المولى محمد كاظم الخراساني (ت 1329هـ): صاحب كفاية الأصول وأحد زعماء المشروطة في النجف. عُرف عنه موقف حذر من فكرة “الحكومة الدينية المباشرة لرجال الدين”. ففي أواخر حياته أيّد مشروع الثورة الدستورية في إيران ضد الاستبداد القاجاري، مفضّلًا إقامة حكومة مدنية (ملك دستوري أو برلمان منتخب) مع حفظ دور للعلماء في التشريع والرقابة، بدلًا من حكومة يرأسها فقيه دين بشكل مطلق . وآية ذلك أنه لم يدعُ لتولّي الفقهاء زمام السلطة التنفيذية بأنفسهم. وعلى الصعيد النظري، يظهر من حاشيته على المكاسب أنه ناقش أدلة وجوب طاعة الفقيه فلم يجدها دليلا على ولاية سياسية شاملة، إذ قال: في دلالة الآيات والروايات على الولاية العامة نظر، لعدم الملازمة بينها وبين وجوب الإطاعة . كما رفض الآخوند التفسير الواسع لحديث “الرادّ عليه رادّ علينا” معتبرًا أن وجوب طاعة الفقيه لا يستلزم كونه ولي أمر سياسيًا. وقد كتب أحد الباحثين أن الآخوند الخراساني لم يؤمن بالحكومة الإسلامية (ولاية الفقيه) لأنه رآها ليست ضرورية، بل فضّل تقييد سلطة الحاكم بقوانين يسنّها برلمان شعبي تحت إشراف عام من العلماء . هذه المواقف تُظهر اعتراض الآخوند على الجانب السياسي المطلق للولاية، وإن لم ينكر ضرورة قيادة الأمة وتوجيهها دينيًا عبر المرجعية الدينية.
- السيد أبو القاسم الخوئي (ت 1413هـ): وهو زعيم الحوزة النجفية سابقًا وأحد أكبر فقهاء العصر الحديث. اتخذ الخوئي موقفًا صريحًا في نفي الولاية المطلقة. وقد نقل عنه نص مشهور جاء فيه: «إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة (ع). بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه (أي الفقيه) وحجية فتواه، وليس له التصرّف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلا في الأمر الحِسبي» . وبهذا الكلام حدّد الخوئي نطاق ولاية الفقيه في أمرين لا خلاف فيهما: القضاء والإفتاء (ويدخل فيهما فصل الخصومات وحمل الناس على فتواه في الحقوق الشرعية مثلًا)، ونفى ما زاد على ذلك إلا في موارد الحسبة (الأمور الضرورية التي لا بد من القيام بها كوضع القوانين العامة وحفظ النظام الاجتماعي في الحد الأدنى). كما صرّح الخوئي في موضع آخر بأن الفقيه هو القدر المتيقن ممن يحق لهم التصرف في الأمور الحسبية ، مما يعني أنه يقبل للفقهاء دور “قيّم” على الأمور العامة في حدود دفع الضرر عن الأمة، لكن ليس لهم سلطة سياسية تشريعية أو تنفيذية مطلقة. ولعل سبب موقف الخوئي هذا أنه رأى عدم وجود نصوص قطعية أو تواتر يرقى لمستوى إثبات نظام حكم برأس هرمي فقيه، فاختار التوقف عند القدر المتيقن.
- السيد علي الحسيني السيستاني (حفظه الله): المرجع الأعلى الحالي في النجف، وهو وإن لم يكتب في المسألة صراحة، معروف أنه لا يتبنى نظرية الولاية المطلقة للفقيه في الإدارة السياسية. بل يفضل فكرة ولاية الأمة مع مرجعية دينية. ولكن لدينا تصريح منسوب لمكتبه ورد في جواب استفتاء، خلاصته: «في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف، ومعظم فقهاء الإمامية يقولون بعدم ثبوتها، وإنما ثبتت في الأمور الحسبية فقط» . وهذا الجواب يطابق حرفيًا كلام السيد الخوئي، مما يشير إلى أن موقف السيستاني موافق لأستاذه في أن الرأي المشهور عند فقهاء الإمامية المتأخرين هو نفي الولاية المطلقة وحصرها في الحسبة. بالفعل السيستاني لم يمارس أي سلطة مباشرة على الدولة العراقية بعد سقوط النظام عام 2003، واكتفى بدور الإرشاد والتوجيه العام، مما يعكس قناعته الشخصية. لكنه في الوقت عينه، لطالما شدد على ضرورة إشراف المرجعية على التشريعات لضمان عدم مخالفة الشريعة. إذًا يمكن وصف نظرته بأنها ولاية عامة للفقيه في الإرشاد الديني للمجتمع، دون تدخل تفصيلي في الحكم إلا عند الضرورة.
بعد عرض هذه الاعتراضات، ينبغي أن نسجل ملاحظتين مهمتين: أولاً أن كثيرًا من هؤلاء العلماء لا ينكرون أصل دور الفقيه القيادي وإنما يعارضون شمول الولاية لكل مفاصل الحكم بلا مشاركة أحد. فمثلاً السيد الخوئي نفسه قبل بولاية الفقيه في الحسبة والقضاء. إذن الخلاف بينهم وبين دعاة الولاية المطلقة ليس في مبدأ أن للفقيه سلطة ما في زمن الغيبة، بل في حدود هذه السلطة وطريقتها. ثانيًا أن هذه الاعتراضات ظهر معظمها في العصر الحديث (القرن 14هـ وما بعده)، بينما الهدف الذي نناقشه هو شهرة القول عبر تاريخ المذهب ككل. فمن الخطأ إسقاط كثرة المعارضين في وقتنا (لو سلمنا بكثرتهم) على العصور السابقة. قد يكون صحيحًا أن غالبية المراجع المتأخرين في النجف لا يقولون بالولاية المطلقة؛ لكن في القرون الأقدم كان الوضع مختلفًا، حيث رأينا النصوص تزخر بإثباتات للنيابة العامة. ولهذا نبّه بعض الباحثين المعاصرين أن نظرية ولاية الفقيه لم تكن يومًا محل إجماع عند الشيعة الإمامية – وهذا كلام صحيح نسبيًا – لكنها بالمقابل لم تكن نادرة أو شاذة، بل كان لها حضور قوي يعادل ربما حضور الرأي المخالف، إن لم يكن أرجح منه.
والنتيجة: إن اعتراضات المراجع المعاصرين تستحق الاحترام والبحث، لكنها لا تنفي واقع الشهرة التاريخية لهذه النظرية، بل تقدم فهمًا آخر لها في ظروف معاصرة. وسنرى في النقطة التالية تحليلًا علميًا لأسباب هذه الاعتراضات ومنهج أصحابها.
تحليل منهج المنكرين لشهرة الولاية المطلقة ونقده منهجيًا
بعد دراسة اعتراضات المنكرين أو المشككين في شهرة ولاية الفقيه المطلقة، يتضح أن منهجهم يستند إلى جملة من المقدمات أو المباني الأصولية والعقلية الخاصة. فيما يلي نحاول تلخيص أبرز أسس منهجهم، ثم نوجه النقد العلمي إليها:
- التمسك بالأصل الأصولي: “عدم الولاية لأحد على أحد إلا بدليل قطعي”: هذه قاعدة يعترف بها الجميع مبدئيًا؛ فالولاية (أي سلطة فرض الرأي على الآخرين) تحتاج إلى إذن الشارع وإلا فهي ممنوعة. غير أن المانعين يشترطون دليلًا قطعيًا واضحًا وصريحًا لإثبات ولاية الفقيه العامة. وبما أنهم يرون الأدلة المتوفرة ظنية الدلالة أو غير صريحة في الجانب السياسي، فإنهم يحكمون بالأصل وهو عدم الولاية. النقد الموجّه لهذا المنهج: مبالغة في شرط القطع في المسألة الظنية. فمسائل الفقه غالبها يُبنى على الأدلة الظنية المعتبرة (كخبر الثقة)، فلماذا تُستثنى هذه المسألة ويُشترط لها قطع ويقين؟ إن روايات مثل مقبولة ابن حنظلة وتوقيع السمري وغيرها قد لا تبلغ حدّ التواتر اللفظي، لكنها متون معتبرة لدى كبار الأصحاب وفهموا منها عموم النيابة . فلماذا يُعرض عن فهم الأعلام السابقين للنص ويتمسك فقط بأن “ليس هناك آية أو حديث يقول بالفقيه حاكم للدولة حرفيًا”؟ هذا الشرط يوقع في الحرج؛ لأن كثيرًا من تفاصيل الشرع (بل وبعض العقائد) لم ترد بنص قطعي خاص لكنها تُفهم ضمنًا بمجموع النصوص والسيرة. إذًا اشتراط هكذا قطعية تامة في أمر اجتهادي محل نظر. وكما قال الإمام الخميني في دروسه: من عرف الإسلام وروحه يرى بداهة ولاية الفقيه عقلاً وشرعًا ، أي أنها قضية متكاملة مع المنظومة وليست غريبة تحتاج لنص باسمه. وعليه، نقدنا: المنكرون تشددوا كثيرًا في باب الإثبات، بينما المؤيدون اعتمدوا الإجماع العملي والسيرة وفهم النصوص المتراكم كقرائن كافية لإثبات ولاية الفقيه دون لزوم نص لفظي صريح جديد.
- الفهم التجزيئي للنصوص الشرعية المتعلقة بنيابة الفقيه: يغلب على طرح المنكرين أنهم يفسرون الأحاديث الواردة في شأن الفقهاء بمعزل عن بعضها أو عن سياقها التاريخي. مثلًا: حديث عمر بن حنظلة الذي جعل فيه الإمام الصادق للفقيه منزلة الحاكم الذي جعله الإمام حاكمًا ، فهمه المنكرون في حدود القضاء بين المتخاصمين فقط. وحديث “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا…”فهموه على أنه في باب الفتوى والأحكام الشرعية النظرية فقط. وكذلك حديث “العلماء حكّام على الملوك” أو “مجاري الأمور بيد العلماء”، إما ضعفوه سندًا أو أولوه بمعنى الإرشاد. بهذا الشكل، تم تقطيع أوصال المنظومة الروائية بحيث لا يُستفاد منها صورة واضحة لقيادة الفقيه. يقابل هذا منهج المؤيدين الذين ينظرون إلى مجمل النصوص كوحدة واحدة تعطي دلالة قوية على نصب الأئمة للفقيه نائبًا عامًّا: فالمقبولة تنص “قد جعلته عليكم حاكمًا” – وهي لفظ ولاية بلا ريب – والتوقيع يقول “فإنهم حجّتي عليكم” وهو نص في مرجعية الفقهاء، وحديث “اللهم ارحم خلفائي” وغيره مما يعضد المعنى. وكذلك العقل يحكم بضرورة وجود قائد في زمن الغيبة. فبنظرهم هذه الأدلة بمجموعها متضافرة على ولاية الفقيه. نقدنا للمنكرين: إن الأخذ بكل نص على حدة بشكل ضيق يجعل كل واحد منها قاصرًا، لكن الصواب جمعها لفهم مراد الشارع. وهذا مسلك معمول به في كل أبواب الفقه (الجمع بين الروايات وتوسيع الدلالة بما يرفع التعارض). فلمَ يتم استثناء باب الولاية من هذا المنهج التكاملي؟ إن الشهيدين والكركي والجواهر وغيرهم فهموا من “حاكم” في رواية ابن حنظلة معنى “متسلط على الإطلاق” وليس فقط “قاضٍ بين اثنين”، واستدلوا بالعدول من لفظ حكم إلى حاكم في الحديث على إرادة الولاية العامة . وكذلك فهموا من قوله “حجّتي عليكم” عموم الحجية في كل ما يصدر عنهم من أمر ونهي . هذه الاستفادات ليست اعتباطية، بل هي من دقيق النظر. وبالتالي، المنكرون بمنهجهم التجزيئي حرموا أنفسهم من قوة الدلالة المركبة، فجاء استنتاجهم مخالفًا لما ذهب إليه أساطين الفقه. وهذا مأخذ منهجي عليهم.
- الاعتماد على عدم التطبيق التاريخي كدليل فقهي: جادل البعض بأنه “لو كانت ولاية الفقيه عامة ومشهورة فعلًا، فلماذا لم يُقم الشيعة دولة دينية عبر التاريخ ولم نرَ فقيهًا تصدّى للحكم إلا حديثًا؟”. يستدلون بهذا على أن النظرية كانت غريبة أو مرفوضة عمليًا. هذا الاستدلال غير مسلّم. صحيح أن الشيعة لم يقيموا نموذج “حكومة الفقيه” قبل 1979م، لكن هذا لا يعود لعدم شرعية الفكرة بل لأسباب سياسية واجتماعية. الشيعة كانوا عبر أغلب تاريخهم أقلية مقموعة تحت حكم مخالف، فهل يُتوقع منهم إعلان دولة يقودها فقيه؟ طبعًا لا. ومع ذلك وجدنا نماذج تطبيقية جزئية: فالدولة الصفوية اعتمدت على إشراف الفقهاء (الكركي) بشكل كبير – وإن رأسها ملك – وهذا تطبيق لمبدأ ولاية الفقيه في صورة “السلطان العادل النائب عن الإمام بإذن الفقيه” . وفي العصر القاجاري، ما قام به المجتهد الشيخ محمد حسن شريعتمدار (ت 1313هـ) في ثورة التنباك، حيث أصدر المرجع الكبير فتوى حرمت شراء التنباك فأطاعها الشاه والشعب معًا، هو مثال صارخ على ممارسة الولاية فعليًا في أمر عام سيادي (وكانت بمثابة حكم حكومي). كذلك الدور الذي لعبه الآخوند الخراساني نفسه ورفاقه في عزل حاكم وإقامة آخر إبّان المشروطة، وإن لم يتولّوا هم السلطة. فالتاريخ ليس خاليًا من بصمات الفقهاء في الحكم – لكنها كانت متفرقة. إذن غياب التجربة الشاملة لا يعني عدم القبول النظري. من جهة أخرى، السلوك الورِع للفقهاء وزهدهم في الدنيا جعلهم يتريثون قبل خوض غمار الحكم حتى لا يُساء للدين. وهذا لا يدل على عدم اعتقادهم بجوازه من حيث المبدأ. وعندما تهيأت الظروف المناسبة (إيران 1979)، قام الإمام الخميني بثورة عارمة واستلم الحكم باسم الإسلام والفقاهة، وسانده في ذلك مراجع وعلماء كثر كانوا يرون صحة هذا الطريق. فلو كانت النظرية حقًا مرفوضة عند عامة الفقهاء لما وجدنا ذلك التأييد الكبير من عشرات المراجع والعلماء الإيرانيين والعرب وقتها لحكومة ولاية الفقيه. الواقع أن الاختلاف كان – ولا يزال – في التفاصيل والصلاحيات، أما فكرة أن للفقهاء حق قيادة الأمة فلم ينفها أحد بشكل مطلق إلا نزر يسير جدًا. وعليه يكون الاستدلال بـ”عدم التطبيق السابق” ضعيفًا؛ إذ يمكن ردّه بأن مانع التطبيق كان خارجيًا لا داخليًا. لذا منهجيًا لا يصح جعل التاريخ (الذي تحكمه اعتبارات القوة والضعف) مصدرًا لحكم شرعي ما لم يخبرنا التاريخ عن موقف اعتراض صريح. وهنا التاريخ يخبرنا بالعكس: كثيرون صرّحوا بالإيمان بالولاية، ولم نجد إلا قليلًا اعترض صراحة (كما رأينا في كلمات الخوئي مثلًا). إذًا كان الأولى اتباع تصريحات العلماء لا مجرد الاستقراء الناقص للتاريخ السياسي.
- مفهوم “حصرية الإمامة المعصومة” والتخوف العقدي: بُني رفض بعض الفقهاء للولاية المطلقة على خلفية كلامية، إذ ظنّوا أن في ذلك مساسًا بمنصب الإمام المهدي أو مخالفة لفكرة الانتظار. فمثلًا رأى السيد محمد مهدي شمس الدين (ت 1421هـ) أن فكرة ولاية الفقيه تتعارض مع أصل النظرة الإمامية التي تشترط العصمة في الحاكم الأعلى، فكيف نولّي فقيهًا غير معصوم سلطات المعصوم؟ ووافقه بعض آخرين قائلين إن النيابة العامة المطلقة للفقيه تهمّش دور الإمام الغائب وتناقض حكمة الغيبة. هذه شبهة عقدية تردّد صداها. لكن يجاب عنها بأن الشيعة لا يقولون بعصمة الفقيه قطعًا ولا مساواته للإمام، بل يرونه نائبًا وخليفةً مأذونًا من الإمام. والفارق كبير بين الأمرين: فالفقيه لا يدّعي الشرعية لنفسه استقلالًا، وإنما يستمد شرعيته من إذن الأئمة عبر النصوص العامة ومن ضرورة المحافظة على الدين. والإمام المهدي عليه السلام هو من فوّض للفقيه القيام بشؤون المجتمع الإسلامي كما تدل عليه التوقيعات المأثورة . فنحن نطيع الفقيه لأن الإمام أمرنا بطاعته، لا لأنه إمام بنفسه. وبالتالي لا انتقاص من مقام المهدي في ذلك، بل هذا تنظيم إلهي لزمان الغيبة. أما مسألة العصمة، فنعم الفقيه ليس معصومًا وقد يخطئ، لذا جاءت فكرة مجلس الفقهاء أو الشورى لدى بعض المؤيدين لضمان تقليل الخطأ. كما أن الفقيه مقيد بحدود الشرع ولا يستطيع تحريف الدين (وإلا سقط عن الاعتبار). فالمنكرون الذين حملهم الهاجس العقدي على الرفض قوبلوا برد منطقي من المؤيدين: لقد نصّب الإمام المعصوم فقيهًا عادلًا شرطًا لحفظ الشريعة في غيبته، فلا يصح أن نهمل هذا التنصيب بدعوى الغيرة على مقامه عليه السلام. إنما الغيرة الحقيقية لإمام الزمان هي في تنفيذ أحكامه وحفظ نظام شيعته، وذلك ما لا يتم إلا بقيام الفقهاء العدول به. إذًا المبنى الكلامي للمعارضين قابل للنقاش بلحاظ مقاصد الإمامة نفسها.
- التخوف من استبداد السلطة الدينية: وهذا بُعد واقعي في منهج المنكرين خاصة المعاصرين؛ إذ يعارضون ولاية الفقيه المطلقة خشية أن تتحول إلى حكم ثيوقراطي استبدادي باسم الدين. وقد صرح بذلك بعضهم. فهم يرون أن إعطاء فقيه واحد صلاحيات مطلقة قد يؤدي إلى ظلم أو فساد إذا أخطأ التقدير أو استبد بالرأي، خاصة وأن التجربة السياسية حديثة عهد بالفقهاء. لذا فضلوا إما تقييد الولاية بقوانين (كما اقترح الآخوند الخراساني والنائيني في الدستور)، أو توزيعها بين مجلس من الفقهاء (كما اقترح بعض تلامذة الصدر)، أو ردّها إلى اختيار الناس للفقيه الحاكم (كما قال الإمام الصدر “رضا الناس هو المصدر” وإن كان الفقيه مشرفًا). المؤيدون للولاية المطلقة لا ينفون ضرورة الضمانات المانعة للاستبداد – لذا نادوا بمبدأ الشورى ضمن الحكومة الإسلامية ووجود مجلس خبراء يقيّم عمل الولي الفقيه، إضافة إلى قابلية عزله إن انحرف – ولكنهم يختلفون مع المنكرين في أصل الفكرة: فالمؤيدون يعتبرون أن فساد التطبيق لا ينفي صحة المبدأ. نعم، بإمكاننا ضبط تطبيق ولاية الفقيه بقوانين ودستور (كما فعل دستور الجمهورية الإسلامية بقصرها على مجلس منتخب ومراقبة الشورى لها) . أما أن نرفض أصل ولاية الفقيه خوفًا من الاستبداد، فهذا شبيه برفضنا لأصل نظام الخلافة الإسلامية لأن بعض الخلفاء ظلموا، وهو مغالطة. لاشك أن احتمال الاستبداد وارد في أي سلطة، والحل ليس بإلغاء فكرة السلطة الشرعية بل بإيجاد الضوابط. فالنقد المنهجي هنا: المنكرون مزجوا بين التقنين والتأصيل؛ فحق لنا أن نناقش سبل تقييد الولي الفقيه ومحاسبته، لكن ذلك لا يعني إنكار مشروعية أصل ولايته. وهذا ما يؤكده فقهاء كبار حتى ممن لا يطبقون الولاية عمليًا: فلو ثبتت ولاية الفقيه لشخص، فلا يجوز لمجتهد آخر نقض حكمه في موارد ثبوتها إلا إذا خالف قطعيات الشرع ، فهنا يُقرّ المبدأ من ناحية ثبوتية ولكنه يُعنى بكبح جماح تطبيقها خارج إطار الشرع.
وخلاصة هذا التحليل: أن المباني التي يستند إليها المعاصرون لولاية الفقيه المطلقة – من اشتراط الدليل القطعي، والفهم المحدود للنصوص، والتشبث بعدم التطبيق، والاعتبارات العقدية والواقعية – يمكن تفكيكها وإعادة النقاش فيها. وبالمحصلة يظل الاتجاه العام للأدلة والنقول التاريخية مرجحًا لكفة انتشار النظرية وقوتها ضمن التراث الإمامي، بالرغم من وجود هذه الرؤى المعارضة. أي أننا بعد النقد المنهجي للمنكرين، نرجع للاطمئنان أكثر بأن دعوى الشهرة التاريخية للولاية المطلقة صامدة، وأن معارضة المعارضين لها أسباب وظروف خاصة لا تجعلها تنقض تلك الشهرة نقضًا تامًا.
الخاتمة
بعد هذا العرض المفصّل، يتبين لنا بوضوح أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة ليست قولًا طارئًا ولا رأيًا شاذًا خاصًا بمتأخري الفقهاء، بل تمتد جذورها بعمق في تربة الفقه الإمامي عبر القرون. لقد رأينا شواهد قوية من نصوص كبار الفقهاء – من عصر الغيبة الكبرى حتى يومنا هذا – تصرّح أو تشير إلى أن الفقيه العادل جامع الشرائط هو النائب العام للإمام المعصوم في قيادة الأمة وإقامة أحكام الشريعة وحفظ النظام العام. فهذا الشيخ المفيد يقدم الفقيه على غيره زمن الغيبة ، وذاك المحقق الكركي يدعي اتفاق الأصحاب على عموم نيابته ، وهذا صاحب الجواهر يعدّها من الضروريات البديهية . وبين هؤلاء وهؤلاء شهدنا فقهاء أعلامًا – كالشهدين والنراقي وغيرهم – يحملون لواء هذه النظرية ويؤسسون لبناتها.
صحيح أن التطبيق العملي الواسع لهذه النظرية لم يحصل تاريخيًا إلا نادرًا، وصحيح أيضًا أن بعض مراجع العصر الحديث تحفظوا عليها أو على إطلاقها. لكن ذلك لا يغيّر الحقيقة التاريخية الموثقة: وهي أن القول بولاية الفقيه العامة كان رأيًا رائجًا ومقبولًا عند جمهور عظيم من فقهاء الإمامية على مرّ الأزمان. لقد تبيّن بالدليل والنقل أن كثيرًا ممن قيل إنهم أنكروها، إما أثبتوا أصلها وأنكروا بعض تفاصيلها، أو سكتوا عنها نظريًا لكنهم طبقوا مقتضاها عمليًا عند الحاجة. كما تبيّن أن منهج المعارضين لها يعتمد على احتياط زائد أو فهم مقيّد للنصوص، ويمكن رده بالتحليل العلمي.
وعليه، فإن دعوى أن ولاية الفقيه المطلقة “مستحدثة” أو “نادرة” مردودة بالأدلة: فهي قديمة العهد في التراث، وممن قال بها جمع غفير من المتقدمين والمتأخرين، ولم يخلُ عصر من قائلين بها بشكل من الأشكال. بل يمكننا القول مطمئنين إن ولاية الفقيه المطلقة مبنى غالب الفقهاء الإمامية، وإن وُجدت آراء مخالفة فهي لا تنال من هذه الغالبية تاريخيًا . ومن هنا، فإن من الحق والإنصاف عند البحث في الفكر السياسي الشيعي أن نعدّ نظرية ولاية الفقيه واحدة من النظريات الأصيلة الراسخة فيه، لا فكرة دخيلة حديثة. وكيف لا، وهي الامتداد الطبيعي لعقيدة الإمامة في عصر الغيبة، حيث تقتضي حكمة الله ألاّ يُترك المؤمنون هملا، فجعل الفقهاء العدول ولاة أمر بالنيابة، حفظًا للدين وتحقيقًا لمصالح العباد إلى أن يأذن الله بفرج إمامنا صاحب الزمان (عجّل الله فرجه).
ختامًا، يمكن القول إن “الولاية المطلقة للفقيه” كفكرة عامة تحظى بتأييد نظري واسع لدى فقهاء الإمامية تاريخيًا، إلا أن مدى تطبيقها وصيغته موضع اجتهادٍ تتباين فيه الآراء. فهناك اتفاق تقريبًا على أن للفقيه ولاية شرعية في الجملة (كالقضاء والفتوى والأمور الدينية العامة)، لكن مقدار ما يمكن أو ينبغي أن يمارسه من سلطة سياسية هو الذي يفرق العلماء بين مؤيّد بحماس، ومتحفظ، ورافض. ولا شك أن البحث في التراث يكشف أن الرأي المؤيد هو الذي كان الغالب في الكتب، مما يبرر وصفه بـ”المشهور” بين المتقدمين والمتأخرين . ومع ذلك، فإن وجود أعلام معاصرين كبار على الضفة الأخرى يعني أن مسألة ولاية الفقيه المطلقة تظل غير مجمع عليها كليًا في الوسط الحوزوي اليوم، بل أصبحت من أكثر المسائل إثارةً للجدل بين فقهاء الشيعة أنفسهم. وكما يعبّر أحد الباحثين: “حدود وصلاحية الوليّ الفقيه ما زالت من أكثر النقاط جدلًا بين الفقهاء، وأخرجت داخل البيت الشيعي تيارين متباينين على ضوء الموقف منها” . لهذا السبب تستمر الدراسات والحوارات في تناول هذه القضية، تأصيلًا وتأريخًا ونقدًا، في سبيل الوصول إلى فهم متوازن يجمع بين حفظ شرعية القيادة الدينية وعدم التفريط في مبادئ العدل والشورى التي جاء بها الإسلام.
المصادر: اعتمدت الدراسة على نصوص الفقهاء من مراجعهم الأصلية كما أوردتها كتبهم ورسائلهم (المقنعة للمفيد، الكافي لأبي الصلاح الحلبي، مختلف الشيعة ومفتاح الكرامة وشرائع الإسلام وغيرها للعلامة الحلي ومعاصريه، رسائل الكركي، عوائد الأيام للنراقي، جواهر الكلام، مكاسب الأنصاري، تنبيه الأمة للنائيني… إلخ)، ونُقلت بالنص مع توثيقها في الهوامش . كما استفدنا من دراسات معاصرة ومقالات لمتأخرين تناولت تطور النظرية ونقدها ، وذلك لضمان عرضٍ موضوعي شامل لمختلف وجهات النظر.




0 تعليق